
أزمة مركبة تتجاوز التقلبات الدولية
في سياق اقتصادي دولي مضطرب، لم يعد المغاربة ينظرون إلى موجات الغلاء باعتبارها مجرد انعكاس ظرفي للأسواق العالمية، بل كأزمة داخلية مركبة تتداخل فيها اختلالات التدبير مع محدودية الإجراءات الحكومية، حيث يتصاعد القلق الاجتماعي وتتراجع الثقة في قدرة الحكومة على حماية القدرة الشرائية.
إجراءات حكومية… أثر محدود على أرض الواقع
رغم إعلان الحكومة عن حزمة من التدابير، من قبيل دعم غاز البوتان والكهرباء ومهنيي النقل، إلا أن هذه الإجراءات لم تعد تقنع الشارع، الذي يرى فيها استمرارية لسياسات تقليدية لا ترقى إلى مستوى الأزمة، إذ لم ينجح الدعم في كبح جماح الأسعار، ولم ينعكس بشكل ملموس على الأسواق، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية وغياب آليات صارمة لضبط السوق.
تسقيف الأسعار… خيار مؤجل يثير الجدل
في المقابل، يثير تردد الحكومة في اللجوء إلى تسقيف الأسعار الكثير من التساؤلات، خاصة وأن هذا الخيار يظل من بين الأدوات الممكنة لحماية المستهلك من تقلبات السوق والممارسات الاحتكارية، غير أن هذا التردد يعكس ارتباكاً في تحديد الأولويات، ويغذي الانطباع بأن حماية التوازنات المالية أو مصالح بعض الفاعلين الاقتصاديين تتقدم على حماية المواطنين.
اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على التدبير
المرحلة الحالية تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بتدبير ظرفي للأزمة، بل بمدى قدرتها على بلورة رؤية اقتصادية واضحة تستبق الأزمات بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة، خاصة في ظل استمرار التوترات الدولية وإمكانية تفاقمها، مما يفرض اعتماد سيناريوهات جديدة وإعادة ترتيب الأولويات لتفادي انفجار اجتماعي محتمل.
دروس لم تُستوعب من أزمات سابقة
التجارب السابقة، خاصة خلال تداعيات الحرب في أوكرانيا، أظهرت محدودية نجاعة التدخلات الحكومية، حيث ظلت الأسعار مرتفعة رغم تراجع حدة الأزمة عالمياً، وهو ما يعزز فرضية وجود اختلالات بنيوية في السوق الوطنية تتجاوز تأثير العوامل الخارجية، ويؤكد ضعف أثر التدخلات الحكومية السابقة.
احتقان اجتماعي صامت يهدد بالانفجار
في المقابل، يتزايد شعور فئات واسعة من المغاربة بأن كلفة الأزمات يتم تحميلها للمواطن وحده، في ظل غياب آليات فعالة للمراقبة والمحاسبة، وهو ما يفتح الباب أمام حالة من الاحتقان الاجتماعي الصامت الذي قد يتحول إلى احتجاجات، خاصة مع استمرار تجاهل مطالب الشارع.
رهان الثقة وضرورة القرارات الجريئة
وأمام هذا الواقع، يبقى الرهان الحقيقي أمام الحكومة هو استعادة الثقة عبر قرارات جريئة تعيد التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحماية المجتمع، لأن استمرار الوضع الحالي دون تدخل حاسم قد يدفع نحو تصاعد الغضب الاجتماعي بشكل يصعب التحكم فيه.





