الرئسيةتحقيقسياسة

الفراقشية.. من الدعم إلى النفوذ

تحرير: بثينة المكودي

لم يعد النقاش الدائر حول ما بات يعرف بملف “الفراقشية” مقتصراً على حجم الدعم العمومي الذي خصص لاستيراد الأغنام والأبقار، والإعفاءات الضريبية والجمركية المرتبطة به، أو على أسماء المستفيدين منه، بل امتد إلى بنية النفوذ التي تحيط بهذا القطاع، وإلى الأدوار التي تلعبها هيئات وتنظيمات مهنية يفترض فيها تمثيل القطاع والدفاع عن مصالحه، لكنها توجد في قلب الجدل المثار حول تدبير الدعم والقدرة الشرائية للمغاربة.

من يتحكم فعلياً في قطاع اللحوم الحمراء

التحقيق الاستقصائي الذي أنجزه الزميل الصحافي يوسف الحيرش ضمن العدد الأخير من مجلة “ملفات”، والمعنون بـ”حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، يذهب أبعد من تتبع مسارات الدعم والإعفاءات الجمركية والضريبية، ليطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بمن يتحكم فعلياً في قطاع اللحوم الحمراء وسلسلة إنتاجها وتوزيعها بالمغرب.

ويشير التحقيق إلى أن ما يسميه “لوبيات القطاع” لا يتكون فقط من مستوردي الأغنام والأبقار، بل من شبكة واسعة تضم كبار المربين والمستوردين وشركات الأعلاف المركبة وبعض الفيدراليات والتنظيمات المهنية التي تجمع تحت سقف واحد المنتج والمستورد والموزع، بما يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في القرارات المرتبطة بالسوق والأسعار والدعم العمومي.

قوة النفوذ داخل المؤسسات

أحد أهم الاستنتاجات التي خلص إليها التحقيق يتمثل في أن قوة “الفراقشية” لا تنبع فقط من الإمكانيات المالية التي راكموها خلال السنوات الأخيرة، بل من حضورهم داخل المؤسسات المهنية والتمثيلية التي تتحدث باسم القطاع. فهذه الهيئات، التي يفترض أن تدافع عن مصالح المهنيين بشكل متوازن، أصبحت وفق ما يورده التحقيق فضاءً لتقاطع المصالح بين المستفيدين من الدعم وبين الجهات التي تضغط من أجل استمرار السياسات نفسها.

ويعتبر متابعون أن هذه التركيبة تجعل أي محاولة لفتح نقاش حول شروط الاستفادة من الدعم أو حول آليات المراقبة والتتبع تصطدم بجدار من المصالح المتشابكة، حيث يتحول الدفاع عن القطاع في كثير من الأحيان إلى دفاع عن المستفيدين الكبار داخله.

من الدعم إلى التأثير السياسي

يوسف الحيرش لا يقدم في تحقيقه صورة تقليدية عن أزمة ارتفاع أسعار اللحوم، بل يحاول رسم خريطة كاملة للعلاقات التي تربط المال بالسلطة داخل القطاع الفلاحي. فبحسب المعطيات التي جمعها فريق التحقيق على مدى أشهر، فإن عدداً من الفاعلين الاقتصاديين الذين استفادوا من الإعفاءات والتسهيلات الحكومية يوجدون أيضاً في مواقع تسمح لهم بالتأثير في النقاش العمومي وصنع القرار المهني.

هذه الوضعية تفسر، بحسب عدد من المراقبين، استمرار الدفاع المستميت عن سياسات الدعم رغم الجدل الواسع الذي رافقها، ورغم استمرار ارتفاع أسعار اللحوم والأضاحي في الأسواق الوطنية، وهو ما جعل جزءاً كبيراً من الرأي العام يتساءل عن المستفيد الحقيقي من الأموال العمومية التي رصدت لهذا الغرض.

أسئلة تنتظر الأجوبة

أعاد التحقيق فتح نقاش قديم حول حدود تضارب المصالح داخل القطاعات الاقتصادية الحيوية، وحول مدى استقلالية الهيئات المهنية التي يفترض أن تدافع عن المصلحة العامة للقطاع لا عن مصالح فئة محددة من الفاعلين.

وبينما يستمر الجدل السياسي حول ملف دعم استيراد المواشي، يظل السؤال الذي يطرحه تحقيق يوسف الحيرش قائماً: كيف يمكن ضمان وصول الدعم العمومي إلى أهدافه الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، إذا كانت الجهات المستفيدة منه تملك في الوقت نفسه أدوات التأثير والضغط والدفاع داخل المؤسسات المهنية والتمثيلية؟

ذلك السؤال ربما يشكل جوهر ما بات يعرف اليوم بـ”قضية الفراقشية”، وهي القضية التي تجاوزت حدود أسعار اللحوم لتتحول إلى نقاش أوسع حول الحكامة والشفافية وعلاقة المال بالنفوذ داخل دوائر القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى