
التحرير وإجراء الحوار: جيهان مشكور
تواصل الجدل في المغرب حول برنامج دعم السكن، في ظل تباين حاد بين الأهداف المعلنة الرامية إلى تسهيل ولوج الأسر إلى التملك، وبين الانتقادات المتصاعدة التي تعتبر أن أثره الاجتماعي ظل محدوداً، بينما استفاد منه بشكل أكبر المنعشون العقاريون في سياق ارتفاع الأسعار واستمرار ممارسات غير قانونية داخل السوق.
وفي تصريح مطول، قدمه حميد الغيام، المنسق بتنسيقية ضحايا قرارات الهدم والتهجير القسري والسطو العقاري والفاعل الحقوقي والاجتماعي، رسم صورة نقدية للوضع، معتبراً أن البرنامج “لم يثمر ولم يؤت أكله لمصلحة المواطن”، بل خلق، حسب تعبيره، حالة من التردد وفقدان الثقة لدى شريحة واسعة من الراغبين في التملك.
فقدان الثقة وتراجع الإقبال على التملك
يرى الغيام أن أحد أبرز مخرجات برنامج دعم السكن يتمثل في تراجع ثقة المواطنين في الولوج إلى التملك، بل إن البعض –وفق تعبيره– أصبح ينظر إلى البرنامج باعتباره غير ذي أثر مباشر على الأسر.. مؤكدا أن المستفيد الأول من هذا النظام هو المنعش العقاري، مبرزاً أن بنية السوق العقارية نفسها تكرس هذا الوضع، من خلال اقتناء الأراضي بأثمنة منخفضة نسبياً بسبب مواقعها أو طبيعتها، ثم إعادة تسويق مشاريع سكنية بأثمان مرتفعة، مع تسجيل ملاحظات متكررة حول جودة البناء وممارسات الغش في بعض الحالات.
اقرأ أيضا….
مشروع قانون المالية 2026.. دعم السكن بين وعود العدالة ومكاسب المنعشين العقاريين
شهادات ميدانية وانتقال الثقة إلى خارج البلاد
وفي سياق متصل، أشار المتحدث إلى أن جزءاً من المواطنين، وخاصة من أفراد الجالية المغربية بالخارج، أصبحوا أكثر ميلاً إلى الاستثمار العقاري خارج المغرب، بحثاً عن ما يعتبرونه ضمانات قانونية أوضح وأمان أكبر في حماية الملكية.
واستحضر في هذا الإطار نماذج لأشخاص باعوا ممتلكاتهم داخل المغرب واتجهوا نحو الاستثمار في إسبانيا، حيث يعتبرون أن كلفة التملك هناك قد تكون تنافسية مقارنة بالسوق الوطنية، مع مستوى أعلى من الاطمئنان القانوني، وفق تعبيره.
وتعكس هذه المعطيات، كما يضيف، اتساع فجوة الثقة في السوق العقارية الوطنية، خاصة في ظل تكرار شكايات مرتبطة بالنصب أو تأخر إنجاز بعض المشاريع السكنية أو التجارية.
ارتفاع الأسعار و”النوار”.. ضغط إضافي على الدعم
ويتقاطع هذا الطرح مع ما ورد في تقارير جمعوية، من بينها موقف الجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك التي نبهت إلى أن أثر الدعم العمومي يتآكل بفعل ارتفاع الأسعار.
فقد أشارت الجمعية إلى أن شققاً كانت تعرض بحوالي 25 مليون سنتيم أصبحت تصل إلى 35 مليون سنتيم، ما يجعل الدعم غير كافٍ لتعويض الفارق الحقيقي في القدرة الشرائية، ويحد من أثره الاجتماعي المباشر.
كما حذرت من استمرار ممارسات غير قانونية، أبرزها “النوار”، معتبرة أن هذه الظاهرة تفرغ الدعم من محتواه وتفرض على المستهلك أداء مبالغ إضافية خارج المساطر الرسمية، وهو ما يثقل كاهل الأسر ويضرب مبدأ الشفافية في السوق.
وتضيف المعطيات ذاتها أن اختلالات أخرى ترافق العملية، من بينها عدم احترام آجال التسليم في بعض المشاريع، وارتفاع مصاريف الملفات، وفرض موثقين محددين من طرف بعض المنعشين، إلى جانب تجاوز التعريفات القانونية لأتعاب التوثيق.
غياب المراقبة وأسئلة الحكامة
وفي ما يتعلق بآليات المراقبة، عبر الغيام عن تشكيك واضح في مدى فعالية منظومة الرقابة الحالية، متسائلاً عن قدرة الجهات الوصية على ضبط السوق ومنع التجاوزات التي تؤثر على سيرورة البرنامج.
ويذهب أبعد من ذلك حين يطرح أسئلة تتعلق بوجود إرادة حقيقية لتتبع هذه الاختلالات، أو ما إذا كانت هناك فراغات مؤسساتية أو تعقيدات تسمح باستمرار بعض الممارسات غير المنظمة داخل القطاع.
وتعزز الجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك هذا التوجه، مطالبة بفتح تحقيقات جادة ومراقبة صارمة للسوق العقارية، مع ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حق كل المتورطين في أي تحايل أو استغلال للدعم العمومي.
بين دعم اجتماعي ومخاطر المضاربة
وتلتقي مختلف هذه المعطيات عند نقطة مركزية مفادها أن أي برنامج للدعم العمومي للسكن، إذا لم يترجم إلى تخفيض فعلي لكلفة التملك وحماية القدرة الشرائية، فإنه يتحول عملياً إلى آلية غير مباشرة لتعزيز أرباح المضاربين في القطاع العقاري.
وفي ظل استمرار هذا الجدل، يبقى السؤال المطروح حول مدى قدرة برنامج دعم السكن على استعادة أهدافه الاجتماعية الأصلية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة السكنية العمومية، في سياق سوق عقارية تعرف تحولات متسارعة وضغوطاً متزايدة على الطلب.





