الرئسيةمجتمع

مشروع قانون المالية 2026.. دعم السكن بين وعود العدالة ومكاسب المنعشين العقاريين

 يعود مرة أخرى، ملف دعم السكن إلى واجهة النقاش العمومي، وهذه المرة عبر بوابة “مشروع قانون المالية لسنة 2026” ، الذي جاء بتعديلات جديدة تقول الحكومة إنها تهدف إلى “تعزيز نجاعة آلية الدعم وضبط تطبيقها الميداني”. لكن خلف هذه العبارات الإدارية البراقة، يلوح سؤال اجتماعي واقتصادي كبير: من المستفيد الحقيقي من هذه السياسة؟ المواطن البسيط الباحث عن سقف يقيه الغلاء، أم المنعش العقاري الباحث عن صفقة جديدة مضمونة الربح؟

رفع الرهن.. بين الضمان الحكومي والتقييد الاجتماعي

من بين أبرز المستجدات التي جاء بها مشروع قانون المالية 2026، تحديد كيفيات رفع الرهن عن المساكن المستفيدة من الدعم، وهي خطوة جاءت لتدارك ثغرة قانونية ظلت معلقة منذ إطلاق البرنامج سنة 2023.. فقد قررت الحكومة، ابتداءً من فاتح يناير 2026، أن رفع الرهن قبل مرور خمس سنوات من تاريخ البيع النهائي يقتضي إرجاع الدعم كاملاً إلى خزينة الدولة، في محاولة منها لمنع المضاربة العقارية واستغلال الدعم العمومي لأغراض تجارية.

لكن في المقابل، يرى متابعون أن هذا الشرط يحول الدعم إلى “قيد إداري” بدل أن يكون أداة لتيسير امتلاك السكن، إذ يجد المواطن نفسه مطالباً بدفع الدعم من جديد إذا أراد بيع السكن أو عدم تخصيصه للسكن الرئيسي، قبل خمس سنوات، حتى لو تغيرت ظروفه الاجتماعية أو اضطر للانتقال إلى مدينة أخرى بحثاً عن العمل، كما بقيت الإجراءات الإدارية على حالها، بنفس ثقلها الروتيني.

أرقام وردية في مذكرة حكومية رمادية

تؤكد الحكومة في مذكرتها التقديمية أنها “تعبئ الاعتمادات المالية الكافية” لإنجاح البرنامج، مشيرة إلى أن أزيد من 68.800 مواطن استفادوا من الدعم المباشر للسكن منذ يناير 2024 إلى 17 أكتوبر 2025، بكلفة إجمالية تفوق 5.6 مليارات درهم،

كما تفخر بارتفاع عدد المستفيدين بنسبة 35 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2025 مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، معتبرة أن ذلك “دليل على انتعاش القطاع وثقة الأسر” .

غير أن هذه الأرقام، على رونقها، تُخفي واقعاً آخر أكثر تعقيداً: فأسعار السكن الاقتصادي قفزت في ظرف وجيز من “25 مليون سنتيم إلى أكثر من 40 مليون سنتيم” أي بزيادة تتجاوز 60% خلال أقل من عامين في بعض المدن.. بمعنى آخر، المواطن نفسه الذي يُفترض أنه مستفيد من الدعم، هو من يدفع ثمنه مضاعفاً في السوق، لتظل النتيجة النهائية واحدة: المواطن يؤدي أكثر مما يستحق، والحكومة تُسوّق نجاحاً رقمياً لا اجتماعياً.

عدالة الدعم.. بين نية الإصلاح ومصالح اللوبيات

مر جهة أخرى ، يُحسب للحكومة أنها أدخلت تعديلاً مهماً يتيح “للمالكين على الشياع” الاستفادة من الدعم، وهو توسيع لدائرة المستفيدين طال انتظاره، غير أن خبراء في الاقتصاد يرون أن هذا الإجراء قد يُستغل من طرف بعض المنعشين أو الوسطاء العقاريين عبر عمليات “التجزئة القانونية”، بحيث تُمنح إعانات لعدة أطراف في مشروع واحد، ما قد يعيد إنتاج الريع بدل محاربته.

و في ذات السياق يعتبر آخرون ان هذه الخطوة جزئية، ما دامت السياسة العامة للسكن في المغرب لا تُبنى على رؤية سكن اجتماعي حقيقي، بل على منطق تجاري يخدم مصالح فئة محدودة.

وتذهب بعض الأصوات داخل البرلمان إلى القول إن هذه التعديلات “محاولة لتلميع صورة برنامج فقد بريقه” ، وأن رفع الرهن بشروط مالية صارمة “يحرم الطبقات الفقيرة من حرية التصرف في ممتلكاتها” .

السكن كقضية وطنية لا كملف تقني

تتجاوز القضية اليوم الجوانب التقنية للمراسيم والقوانين، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول فلسفة السياسة السكنية في المغرب: هل هي سياسة اجتماعية تهدف إلى تمكين المواطن من الاستقرار، أم مجرد آلية لخلق توازنات اقتصادية ظرفية وتجميل المؤشرات أمام المؤسسات المالية الدولية؟

ففي بلد يتجاوز فيه العجز السكني 350 ألف وحدة بحسب تقارير رسمية، وتُقدّر نسبة الأسر التي لا تملك سكناً خاصاً بأكثر من 37%، يصبح دعم السكن واجباً وطنياً لا مجرد بند في قانون المالية.. لكن هذا الواجب لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار نفس المقاربة التي تربط السكن بالقدرة الشرائية فقط، دون معالجة أصل المشكل المتمثل في غلاء العقار واحتكار الأراضي وغياب سياسة حقيقية لتأطير السوق، مع ازدياد جشع لوبي العقار.

السكن.. مرآة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية

الملف السكني في المغرب ليس مجرد قضية هندسية أو مالية؛ إنه مرآة لعمق السياسة الاقتصادية والاجتماعية.. حين يرتفع سعر” السكن الاقتصادي” إلى حدود الأربعين مليون سنتيم، فنحن أمام اقتصاد لا يخدم المواطن، بل يستعمله، وحين يُقدَّم الدعم باسم العدالة الاجتماعية بينما المستفيد الأكبر هو المنعش العقاري، فنحن أمام سياسة “تعيد إنتاج اللامساواة تحت غطاء الإصلاح” .

من سيُحرر المواطن من الرهن؟

مشروع قانون المالية 2026 لا يكتفي بتنظيم رفع الرهن عن السكن، بل يطرح سؤالاً رمزياً أكبر: من سيرفع الرهن عن المواطن المغربي نفسه، من رهون الغلاء والديون والبيروقراطية؟
ففي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة التحدث بلغة” الالتزامات المالية” و”البرامج الاجتماعية” ، يعيش المواطن البسيط بين قرض بنكي يطارد راتبه، وسوق عقارية تبتلع مدخراته، ودعم حكومي يتحول إلى “إعانة للمنعشين بدل إنصاف للمحتاجين” .

ربما آن الأوان لأن يُعاد تعريف معنى “الدعم”، لا كمبلغ مالي، بل كحق في السكن الكريم، في بلدٍ ما زال الحلم فيه يبدأ من شقة صغيرة وينتهي في دهاليز البرلمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى