الرئسيةمجتمع

الجواز المغربي يتقدم… والمواطن ينتظر

الأول مغاربياً… لكن لماذا لا يزال المغربي ينتظر التأشيرة؟

بينما احتفى تقرير “Global Passport Index 2026” بتصدر جواز السفر المغربي ترتيب دول المغرب العربي واحتلاله المركز الخامس إفريقياً، بدا المشهد بالنسبة لكثير من المغاربة مختلفاً تماماً.. فخلف الأرقام التي تضع المملكة في موقع متقدم، يقف آلاف المواطنين كل عام في طوابير القنصليات، يواجهون مواعيد طويلة، ووثائق معقدة، ورسوم تأشيرات قد تنتهي بالرفض دون تفسير. هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تقاس قوة جواز السفر بما تقوله المؤشرات، أم بما يعيشه حامله عند أول نافذة قنصلية؟

تصنيف جديد… لكنه لا يحكي القصة كاملة

منح التقرير جواز السفر المغربي 47.8 نقطة من أصل 100 ضمن تقييم شمل 197 دولة وإقليماً اعتماداً على 14 مؤشراً، لا تقتصر على حرية التنقل، بل تشمل جودة الحياة، والفرص الاقتصادية، وجاذبية الاستثمار، والاستقرار المؤسساتي.. وبهذا المنهج، احتل المغرب المركز الأول مغاربياً والخامس على مستوى القارة الإفريقية، فيما جاءت السويد في صدارة العالم، وتذيلت أفغانستان القائمة بـ23.1 نقطة.

و يهكس هذا التصنيف بلا شك تطوراً في صورة المغرب الدولية، نتيجة توسيع شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية، وتحوله إلى منصة صناعية واستثمارية إقليمية، خصوصاً في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، لكن هذه المكاسب تظل، بالنسبة للمواطن، ذات قيمة محدودة إذا لم تتحول إلى تسهيلات ملموسة في التنقل.

بين قوة الدولة وحرية المواطن

المفارقة أن التقرير نفسه يشير إلى أن المغاربة ما زالوا يواجهون قيوداً مهمة للحصول على التأشيرات في عدد كبير من الوجهات الدولية، وهذا يعني أن قوة الجواز لا تعني بالضرورة حرية حامله.

فوفق مؤشرات التنقل الدولية، لا يزال الولوج إلى العديد من الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية وأستراليا واليابان وغيرها رهيناً بإجراءات قنصلية معقدة، رغم أن المغرب عزز حضوره الدبلوماسي خلال السنوات الأخيرة ووسع شبكة اتفاقياته مع عدد من الشركاء.

إنها مفارقة تعكس الفرق بين “قوة الدولة في أعين المؤسسات الدولية” و”حرية المواطن في حياته اليومية”؛ فالدبلوماسية تحقق نقاطاً في التصنيفات، بينما لا يزال المواطن يبحث عن موعد تأشيرة أو ينتظر قراراً قد لا يأتي.

الاقتصاد يصنع سمعة الجواز… لكن السياسة تصنع حريته

لم يعد جواز السفر مجرد وثيقة سفر، بل أصبح مؤشراً على قوة الاقتصاد ومتانة المؤسسات.. فكلما ارتفع الناتج الداخلي، وتحسنت مؤشرات الحكامة، وزادت جاذبية الاستثمار، ارتفعت مكانة الجواز في التصنيفات الدولية.

وتشير معطيات رسمية إلى أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في استقطاب مليارات الدراهم من الاستثمارات الأجنبية، كما عزز صادراته الصناعية، خاصة في قطاع السيارات الذي أصبح أكبر قطاع تصديري بالمملكة.. غير أن هذه الدينامية الاقتصادية لا تنعكس تلقائياً على حرية تنقل الأفراد، لأن قرارات الإعفاء من التأشيرات تبقى رهينة اعتبارات دبلوماسية وأمنية وسياسية معقدة.

التصنيف ليس خط النهاية

لا شك أن احتفاظ المغرب بصدارة جوازات السفر المغاربية يمثل مكسباً رمزياً ودبلوماسياً، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحدٍّ أكبر: تحويل المكانة الدولية إلى امتياز يشعر به المواطن قبل المستثمر.

فالنجاح الحقيقي لن يكون عندما يرتفع ترتيب الجواز ببضع نقاط إضافية، بل عندما يتوقف المغربي عن اعتبار التأشيرة عقبة، ويصبح السفر حقاً يسيراً يعكس بالفعل المكانة التي تقول التصنيفات إن المغرب بلغها، عندها فقط، لن تكون قوة جواز السفر رقماً في تقرير دولي، بل واقعاً يرافق المواطن أينما حمل وثيقته الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى