
تحرير: جيهان مشكور
لم يعد الحديث عن السيادة الاقتصادية ترفا فكريا أو شعارا يردده دعاة الانغلاق على الذات، بل تحول إلى أحد أكثر المفاهيم حضورا في النقاش الاقتصادي العالمي، فما بدا قبل سنوات مجرد أطروحة تناقض منطق العولمة، فرضته اليوم الوقائع الجيوسياسية والاقتصادية باعتباره شرطًا لضمان استقرار الدول وحماية مصالحها الحيوية، ومن هذا المنطلق، يضع الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي مفهوم السيادة في صلب النقاش حول مستقبل النموذج التنموي المغربي، معتبرا أن الأزمات المتلاحقة التي هزت العالم كشفت حدود الرهان المطلق على الأسواق الدولية، وأعادت الاعتبار لدور الدولة في حماية أمنها الاقتصادي والغذائي والطاقي.
السيادة… من مفهوم نظري إلى ضرورة اقتصادية
في مداخلته، يلفت أقصبي إلى أن المفهوم نفسه عرف تحولاً عميقاً خلال السنوات الأخيرة، فإذا كانت السيادة تُختزل سابقاً في بعدها السياسي، فإنها أصبحت اليوم تشمل الأمن الغذائي، والسيادة الطاقية، والسيادة الرقمية، بل وحتى السيادة الجبائية، أي قدرة الدولة على رسم سياستها الضريبية بعيداً عن الضغوط الخارجية.
ويرى المتحدث ذاته، أن هذا التحول لم يكن وليد قناعة فكرية جديدة، بل فرضته الوقائع، فالدول التي كانت تدافع عن الأسواق المفتوحة دون قيود، عادت لتضع حماية إنتاجها الوطني وتأمين حاجياتها الأساسية في صدارة أولوياتها، بعدما أدركت أن الاعتماد المفرط على الخارج قد يتحول، في أوقات الأزمات، إلى مصدر هشاشة استراتيجية.
الاكتفاء الذاتي… بين الحلم والواقع
غير أن أقصبي يحذر من تبسيط مفهوم السيادة وتحويله إلى شعار فضفاض، فالسؤال الحقيقي، كما يقول، ليس ما إذا كان المغرب يحتاج إلى السيادة، وإنما ماذا تعني هذه السيادة عملياً.
هل يعني ذلك إنتاج كل ما يستهلكه البلد؟ وهل يستطيع اقتصاد بحجم المغرب أن يحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً في كل القطاعات؟
بالنسبة إليه، هذا تصور غير واقعي، لذلك يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الاكتفاء الذاتي على أسس علمية، عبر تحديد الحد الأدنى المقبول من الإنتاج الوطني في القطاعات الاستراتيجية، بدل الاكتفاء بشعارات عامة، ويؤكد أن تحديد هذه الحدود ليس قراراً تقنياً فقط، بل هو اختيار مجتمعي يجب أن يشارك فيه الباحثون وصناع القرار ومختلف القوى الحية، حتى تتحول السيادة إلى سياسة عمومية قابلة للتنفيذ، لا مجرد خطاب سياسي.
ولا يحصر أقصبي مفهوم السيادة في المجال الغذائي وحده، بل يوسع دائرته لتشمل مختلف القطاعات الحيوية.. فإلى جانب السيادة الفلاحية والغذائية، يبرز اليوم تحدي السيادة الطاقية في ظل تقلب أسعار النفط والغاز، والسيادة الرقمية مع هيمنة الشركات العالمية على البيانات والتكنولوجيا، والسيادة الجبائية التي تمكن الدولة من حماية قاعدتها الضريبية ومنع تهريب الأرباح والثروات نحو الملاذات الضريبية.
وفي تقديره، فإن امتلاك حد أدنى من السيادة في هذه المجالات لا يعني الانفصال عن العالم، بل امتلاك قدرة تفاوضية أكبر داخل النظام الاقتصادي الدولي، بما يسمح بحماية المصالح الوطنية دون التفريط في مزايا الانفتاح الاقتصادي.
هل يستطيع المغرب أن يقول “لا”؟
هنا يطرح أقصبي السؤال الأكثر حساسية: هل يملك المغرب فعلاً هامشاً كافياً لاتباع سياسة اقتصادية سيادية إذا تعارضت مع مصالح القوى الاقتصادية الكبرى؟
فالجواب، في نظره، لا يرتبط بالرغبة فقط، بل بموازين القوى، فكل محاولة للخروج عن القواعد المهيمنة قد تعرض الدول لضغوط متعددة، تبدأ بالتصنيفات الائتمانية السلبية، وتمر عبر القيود التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، ولا تنتهي عند مخاطر الإدراج في اللوائح السوداء أو ارتفاع كلفة الاقتراض من الأسواق العالمية.
ويستحضر في هذا السياق تجارب عدد من دول أمريكا اللاتينية التي حاولت، بعد وصول حكومات يسارية إلى السلطة، بناء سياسات أكثر استقلالية، لكنها اصطدمت بمقاومة قوية من الأسواق المالية واللوبيات الاقتصادية الدولية، ما جعل هامش المناورة أضيق بكثير مما كان متوقعاً..
لذلك فرغم دفاعه عن تعزيز السيادة الاقتصادية، لا يدعو أقصبي إلى خوض مواجهة منفردة مع النظام الاقتصادي العالمي، بل يؤكد أن التوازنات الدولية الحالية تجعل من الصعب على دولة متوسطة الحجم، مثل المغرب، أن تفرض خياراتها بمفردها.
ومن هذا المنطلق، يبرز أهمية بناء تحالفات إقليمية ودولية تسمح للدول النامية بتوسيع هامش حركتها، سواء في مجال التجارة أو التمويل أو التكنولوجيا.
البريكس… بداية نظام اقتصادي بديل؟
ورغم هذه القيود، لا يعتبر أقصبي أن النظام الاقتصادي العالمي مغلق بالكامل، بل يرى أن التحولات الجارية قد تفتح نوافذ جديدة أمام الدول الصاعدة.
ويشير في هذا السياق إلى توسع مجموعة “بريكس” باعتباره مؤشراً على بداية تشكل توازنات اقتصادية جديدة، من خلال العمل على تقليص هيمنة الدولار في المبادلات الدولية، وتطوير أنظمة أداء بديلة عن “سويفت”، إلى جانب تعزيز دور “بنك التنمية الجديد” كخيار تمويلي خارج المؤسسات المالية التقليدية.
ولا يقدم أقصبي هذه المبادرات باعتبارها بديلاً جاهزاً للنظام القائم، لكنه يرى أنها تعكس بداية انتقال تدريجي نحو عالم اقتصادي أكثر تعددية، قد يمنح للدول المتوسطة، مثل المغرب، فرصاً أوسع لتنويع شراكاتها وتقليص درجة تبعيتها.
السيادة تحتاج إلى ديمقراطية… لا إلى الشعارات
لكن الرهان، في نظر أقصبي، لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، فالدولة التي تفتقد إلى الشرعية الديمقراطية والمؤسسات القوية تجد صعوبة في الدفاع عن خياراتها الاقتصادية، لأن قوة التفاوض في الخارج تنبع أولاً من قوة الجبهة الداخلية..
ومن هنا، يربط بين السيادة والديمقراطية، معتبراً أن بناء مؤسسات تتمتع بالمصداقية والتمثيلية، وإقامة تحالفات إقليمية ودولية متوازنة، يشكلان شرطين أساسيين لأي سياسة اقتصادية مستقلة.
كما يدعو إلى إحياء أدوات اقتصادية التي كانت مطبقة دولياً قبل أن تتراجع تحت ضغط منطق الأسواق والمضاربات، من بينها صناديق استقرار أسعار المواد الأساسية، التي كانت تخفف من تقلبات الأسواق العالمية وتحمي الدول المستوردة من الصدمات المتكررة، ويرى أن إعادة التفكير في مثل هذه الآليات قد يكون أكثر جدوى من الاكتفاء بردود فعل ظرفية كلما ارتفعت الأسعار.
سيادة منفتحة… لا انغلاق ولا تبعية
في النهاية، لا يدعو نجيب أقصبي إلى الانغلاق أو القطيعة مع الاقتصاد العالمي، بل إلى إعادة صياغة العلاقة معه على أسس أكثر توازناً، فالسيادة، كما يطرحها، لا تعني إغلاق الحدود ولا الانسحاب من العولمة، وإنما امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي بحرية، وحماية المصالح الوطنية عندما تتعارض مع إملاءات السوق الدولية، وفي عالم تتزايد فيه الصراعات الاقتصادية بقدر الصراعات العسكرية، تبدو هذه الحرية، أكثر من أي وقت مضى، شرطاً أساسياً لأي مشروع تنموي مستقل..
والسؤال الذي يطرح نفسه حسب أقص في النهاية ليس ما إذا كان المغرب قادرًا على الانعزال عن العولمة، بل كيف يمكنه أن يبقى منفتحًا على العالم دون أن يفقد زمام قراره الاقتصادي وسيادته على خياراته التنموية.
اقرأ أيضا….
يتبع… “الحلقة الثالثة والأخيرة”





