اقتصادالرئسية

لقجع يحسم الجدل.. لا ضرائب على الجالية

بين الشفافية الضريبية وفوضى التأويل… من يدفع ثمن غياب التواصل؟

في مشهد يكشف هشاشة التواصل المؤسساتي أكثر مما يكشف تعقيدات النصوص القانونية، وجد مشروع القانون رقم “076.19” نفسه في قلب موجة من الجدل، بعدما انتشرت تأويلات تزعم أنه يفتح الباب أمام تبادل المعطيات الضريبية للمغاربة المقيمين بالخارج، ولم يكن أمام الحكومة سوى الخروج لتدارك ما كان بالإمكان تفاديه منذ البداية، عبر توضيحات قدمها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الذي أكد بشكل قاطع أن الاتفاق لا يشمل الجالية المغربية ولا يمس بياناتها الشخصية أو الجبائية.

لكن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بمضمون القانون، بل بسبب عجز المؤسسات عن شرح مشاريعها للرأي العام قبل أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى “مشرع موازٍ” يصنع الحقائق من الشائعات، ويملأ الفراغ الذي تتركه الإدارات الرسمية.

اتفاق دولي لمحاصرة تهرب الشركات العملاقة.. وليس جيوب المهاجرين

أوضح لقجع أمام مجلس المستشارين أن مشروع القانون يندرج ضمن التزامات المغرب الدولية في مجال تعزيز الشفافية الضريبية ومحاربة التهرب الجبائي، وذلك من خلال المصادقة على الاتفاق متعدد الأطراف لتبادل الإقرارات الضريبية الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات.

ووفق الوزير، فإن الاتفاق لا يستهدف الأشخاص الذاتيين ولا المقاولات المغربية، وإنما يقتصر على المجموعات الاقتصادية الدولية التي يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 750 مليون يورو، وهو السقف المعتمد من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ضمن نظام التقارير الضريبية المعروف بـ”Country-by-Country Reporting”، ويهدف هذا النظام إلى تمكين الإدارات الضريبية من تتبع توزيع الأرباح والأنشطة الاقتصادية للمجموعات العالمية، بما يحد من تحويل الأرباح نحو الملاذات الضريبية.

وتشير تقديرات المنظمة إلى أن التهرب الضريبي وتحويل الأرباح يكلفان الحكومات حول العالم ما بين 100 و240 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 4 إلى 10 في المائة من عائدات الضريبة على الشركات، وهو ما دفع أكثر من مئة دولة إلى الانخراط في آليات التعاون الضريبي الدولي.

الجالية… بين هواجس الضرائب وفقدان الثقة

ورغم وضوح التوضيح الحكومي، فإن سرعة انتشار الأخبار المضللة تكشف أزمة أعمق من مجرد سوء فهم قانوني، فالجالية المغربية، التي تجاوزت تحويلاتها 117.7 مليار درهم سنة 2024 وفق معطيات “مكتب الصرف”، أصبحت أكثر حساسية تجاه أي نقاش يتعلق بالضرائب أو تبادل المعلومات المالية، لأنها تشعر في كثير من الأحيان بأنها مطالبة بالدعم الاقتصادي دون أن تحظى بما يكفي من التواصل والطمأنة.

والمفارقة الساخرة أن الدولة اضطرت إلى نفي ما لم ينص عليه القانون أصلاً، في مشهد يعكس هشاشة التواصل أكثر مما يعكس خطورة النص التشريعي نفسه.. حيث تكتفي المؤسسات بردود متأخرة لإطفاء حرائق كان يمكن منعها منذ البداية.

الدرس السياسي… القوانين لا تُدار بالصمت

ما حدث يبعث برسالة سياسية واضحة: التشريع لا يقتصر على التصويت داخل البرلمان، بل يبدأ بإقناع المواطنين وفهمهم لمضامينه.. وتصريحات لقجع أنهت الجدل القانوني، لكنها لم تنهِ أزمة أعمق تتعلق بطريقة تدبير التواصل العمومي.. فالحكومات الحديثة لا تكتفي بصياغة القوانين، بل تشرحها قبل أن تتحول إلى مادة للشائعات، أما الاكتفاء بإطفاء الحرائق بعد اندلاعها، فهو أشبه بمن يترك الباب مفتوحاً ثم يستغرب دخول الريح.

وفي النهاية، قد يكون مشروع القانون بريئاً من كل الاتهامات التي وُجهت إليه، لكن المؤكد أن أكبر خسارة كشفتها هذه القضية هي استمرار فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات؛ فجوة تجعل أي نص قانوني، مهما كان تقنياً، قابلاً للتحول إلى أزمة سياسية واجتماعية خلال ساعات قليلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى