
أزمة الولوج إلى التمويل لا تزال قائمة
رغم توالي برامج الدعم العمومي والتمويلات الدولية الموجهة إلى المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، ما يزال هذا النسيج الاقتصادي، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد المغربي، يواجه صعوبات حقيقية في الحصول على التمويل، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى نجاعة السياسات المعتمدة، وحول ما إذا كانت الأرقام المعلنة تنعكس فعلاً على واقع آلاف المقاولين، أم أنها تبقى مجرد مؤشرات مالية لا تغير جوهر الأزمة.
وفي هذا السياق، يتجه البنك الإفريقي للتنمية ومؤسسة “تمويلكم” إلى توسيع شراكتهما عبر استكشاف مجالات تعاون جديدة تستهدف تعزيز تمويل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، ودعم الاستثمار الخاص في قطاعات استراتيجية، في خطوة تعكس استمرار الرهان على القطاع الخاص باعتباره أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل.
رهان التمويل في مواجهة واقع اقتصادي معقد
أكد عبد المغيث عبد المؤمن، مدير الاستراتيجية بمؤسسة “تمويلكم”، في حوار نشره البنك الإفريقي للتنمية، أن التعاون بين المؤسستين أسهم خلال السنوات الماضية في تعزيز الشمول المالي وتطوير منظومة ضمان القروض، من خلال إطلاق برامج لدعم القطاع المالي الشامل وتقوية قدرات مؤسسات التمويل الأصغر.
غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع اقتصادي يكشف استمرار هشاشة عدد كبير من المقاولات. فوفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تشكل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة أكثر من 95% من النسيج الاقتصادي الوطني، وتساهم بحوالي 40% من الناتج الداخلي الخام، كما توفر النسبة الأكبر من مناصب الشغل في القطاع الخاص، إلا أن جزءاً مهماً منها لا يزال يعتبر صعوبة الولوج إلى التمويل أكبر عائق أمام الاستثمار والتوسع.
119 مليون أورو… هل تكفي لتغيير المعادلة؟
عرف التعاون بين الجانبين خلال السنتين الأخيرتين مرحلة جديدة اعتمدت على برامج تمويل قائمة على النتائج، تركز على تسهيل حصول المقاولات على التمويلات البنكية، وتحفيز التشغيل وتشجيع المبادرة الخاصة، خاصة لدى النساء.
ومن أبرز هذه المبادرات برنامج “دعم وتمويل ريادة الأعمال من أجل خلق فرص الشغل”، الذي صادق عليه البنك الإفريقي للتنمية سنة 2025 بقيمة “119 مليون أورو”، إضافة إلى منحة بقيمة “2.5 مليون دولار” في إطار مبادرة “أفاوا”، الهادفة إلى دعم حوالي 8700 امرأة مقاولة بشراكة مع وزارة الاقتصاد والمالية.
وتؤكد مؤسسة “تمويلكم” أن آليات الضمان المعتمدة تحقق مردودية مالية مرتفعة، إذ إن كل يورو يخصص للضمان يسمح بتعبئة ما يصل إلى 24 أورو من التمويلات البنكية لفائدة المقاولات، وهو ما يعكس، من الناحية النظرية، فعالية كبيرة في تعبئة الموارد المالية.
بين الأرقام والواقع… التحدي يتجاوز التمويل
لكن خبراء الاقتصاد يعتبرون أن أزمة المقاولات المغربية لا ترتبط فقط بندرة التمويل، بل أيضاً بارتفاع كلفة الاقتراض، وتعقد المساطر الإدارية، وضعف المواكبة التقنية، إضافة إلى محدودية الاندماج في الاقتصاد الرقمي والأسواق الدولية.
ولهذا يتطلع البنك الإفريقي للتنمية و”تمويلكم” إلى توسيع التعاون ليشمل مجالات أكثر ارتباطاً بتحولات الاقتصاد العالمي، من بينها “الانتقال الأخضر، والتحول الرقمي، والتنمية المجالية، وتمويل الشركات الناشئة”، وهي قطاعات أصبحت تشكل معياراً أساسياً لجذب الاستثمار وتحقيق النمو المستدام.
غير أن نجاح هذه الشراكات لن يقاس بحجم الاعتمادات المالية المعلنة، بل بقدرتها على تحويل التمويل إلى مشاريع منتجة، ومناصب شغل مستقرة، وثروة حقيقية تصل إلى مختلف جهات المملكة.. فالمغرب لا يحتاج إلى مضاعفة الاتفاقيات بقدر ما يحتاج إلى مضاعفة أثرها الاقتصادي والاجتماعي، حتى لا تبقى المقاولة الصغيرة الحلقة الأضعف في معادلة التنمية، رغم أنها تمثل أكبر رهان عليها.




