اقتصادالرئسية

السياحة المغربية.. أرقام قياسية ومؤشرات مقلقة

تواصل السياحة المغربية تحطيم الأرقام القياسية، لكن خلف هذه الصورة الوردية تبرز أرقام أخرى تستحق التوقف عندها طويلا، فالمغرب يستقبل ملايين السياح، والمداخيل ترتفع، والأسواق الأجنبية تواصل ضخ مزيد من الوافدين، لكن معدل النمو نفسه يتراجع سنة بعد أخرى.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي قد لا تظهر في البيانات الرسمية عند قراءتها منفردة: السياحة المغربية لا تتراجع، لكنها لم تعد تنمو بالسرعة التي اعتاد عليها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

فهل يتعلق الأمر بمجرد عودة طبيعية إلى مستويات النمو العادية بعد سنوات استثنائية، أم أن مرحلة الزخم السياحي بدأت فعلاً تقترب من نهايتها؟

9.4 ملايين وافد.. ولكن بـ6% فقط

بحسب أحدث المعطيات الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، بلغ عدد الوافدين عبر المراكز الحدودية للمغرب نحو 9.4 ملايين شخص إلى نهاية يونيو 2026، بارتفاع لا يتجاوز 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

قد يبدو الرقم إيجابياً، وهو كذلك من حيث الحجم، لكن المشكلة تظهر عندما نضعه في سياقه الزمني.

فمعدل النمو بلغ 34 في المائة سنة 2023، ثم تراجع إلى 20 في المائة سنة 2024، و14 في المائة سنة 2025، قبل أن ينزل إلى 6 في المائة فقط خلال النصف الأول من 2026.

بمعنى آخر، المغرب يستقبل مزيداً من السياح، نعم، لكن السرعة التي يضيف بها سياحاً جدداً تتراجع بشكل متواصل.

وهذا ليس تفصيلاً تقنياً يمكن تجاهله، بل مؤشر يستحق أن يدخل مباشرة إلى صلب النقاش حول مستقبل القطاع.

الأسواق الأجنبية تنمو.. فلماذا يتباطأ الإجمالي؟

المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عند تفكيك الأرقام.

السوق الفرنسية ارتفعت بـ9 في المائة، والألمانية بـ14 في المائة، والبلجيكية بـ9 في المائة، والهولندية بـ10 في المائة، والإيطالية بـ6 في المائة، بينما قفزت السوق البولندية بـ32 في المائة، وارتفعت السوق الأمريكية بـ9 في المائة.

فإذا كانت غالبية الأسواق الرئيسية تسجل نمواً، فلماذا ينخفض معدل النمو الإجمالي؟

الجواب قد يكون مرتبطاً باتساع قاعدة المقارنة، وبكون المغرب دخل مرحلة أصبحت فيها المحافظة على معدلات النمو المرتفعة أصعب بكثير مما كانت عليه في سنوات ما بعد الجائحة.

لكن هذه الإجابة، وإن كانت منطقية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لعدم طرح السؤال الأهم: هل وصلت الاستراتيجية السياحية الحالية إلى حدود قدرتها على إنتاج النمو نفسه؟

من 34% إلى 6%.. الرقم الذي لا يجب تجاهله

الخبير في القطاع السياحي، الزبير بوحوت، حذر من قراءة الأرقام من زاوية واحدة، مشيراً إلى أن التركيز على نمو بعض الأسواق يخفي حقيقة أكثر أهمية، تتمثل في التباطؤ المتواصل في معدل نمو الوافدين.

ووفق المعطيات التي قدمها، فإن المسار واضح:

34% → 20% → 14% → 6%.

هذه ليست مجرد أرقام متفرقة، بل سلسلة تكشف اتجاهاً عاماً.

صحيح أن عدد السياح يواصل الارتفاع، لكن السؤال هو: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الارتفاع إذا ظلت وتيرة النمو تنخفض بهذه السرعة؟

والأخطر أن بوحوت لا يستبعد تفاقم هذا التباطؤ خلال السنوات المقبلة، بما قد يعني انتقال السياحة المغربية تدريجياً من مرحلة الزخم إلى مرحلة الاستقرار، وربما الركود إذا لم يتم تجديد محركات النمو.

المفارقة الكبرى: السياح +6% والمداخيل +15.9%

هنا تظهر مفارقة أخرى لا تقل أهمية.

ففي الوقت الذي ارتفع فيه عدد الوافدين بـ6 في المائة فقط، قفزت عائدات السياحة إلى 64.9 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، مقابل 56 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة بلغت 15.9 في المائة.

وهذا تطور إيجابي بكل المقاييس.

بل إن القيمة المضافة للقطاع ارتفعت خلال الفصل الأول من السنة بـ8.1 في المائة.

لكن هذه الأرقام تطرح سؤالاً آخر بدلاً من أن تنهي النقاش:

هل أصبح المغرب يكسب أكثر من كل سائح، أم أن ارتفاع المداخيل يخفي تباطؤاً في قدرة القطاع على استقطاب أعداد جديدة؟

إذا كانت المداخيل ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من عدد الوافدين، فهذه نقطة إيجابية من حيث المردودية، لكنها تعني في الوقت نفسه أن مستقبل القطاع لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد السياح الذين يدخلون المغرب.

من 49 إلى 64.9 مليار درهم.. نجاح حقيقي أم اختبار جديد؟

خلال النصف الأول من 2024، بلغت عائدات السياحة حوالي 49 مليار درهم.

بعد سنة واحدة فقط، ارتفعت إلى 56 مليار درهم.

وفي النصف الأول من 2026، وصلت إلى 64.9 مليار درهم.

أما على مستوى السنة كاملة، فقد انتقلت المداخيل من حوالي 112 مليار درهم في 2024 إلى 138 مليار درهم في 2025.

وبالوتيرة الحالية، يبدو تحطيم رقم قياسي جديد في 2026 أمراً مرجحاً.

لكن الرقم القياسي، مهما كان مهماً، لا يجب أن يتحول إلى غطاء يخفي الأسئلة البنيوية.

فالقطاع الذي يريد أن يصبح إحدى ركائز الاقتصاد الوطني لا يستطيع أن يظل معتمداً فقط على ارتفاع عدد الوافدين أو تحسن الإيرادات السنوية.

ماذا بعد الأسواق التقليدية؟

السؤال الحقيقي يبدأ هنا.

هل يستطيع المغرب مواصلة الاعتماد على الأسواق الأوروبية التقليدية بالوتيرة نفسها؟ وهل تكفي الحملات الترويجية الحالية لفتح أسواق جديدة قادرة على تعويض أي تباطؤ محتمل في الأسواق التقليدية؟

التجربة البولندية، التي سجلت نمواً بـ32 في المائة، تقدم إشارة مهمة: تنويع الأسواق يمكن أن يكون أحد مفاتيح المرحلة المقبلة.

لكن الأمر لا يتعلق فقط بجلب المزيد من السياح.

المطلوب هو استقطاب سائح يقيم لفترة أطول، وينفق أكثر، ويتنقل بين مناطق مختلفة، ويخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلي.

فما الجدوى من ملايين الوافدين إذا بقي جزء كبير من الإنفاق محصوراً في وجهات محددة، أو إذا لم تنعكس عائدات السياحة بالقدر الكافي على المدن والمناطق التي لا تزال خارج الخريطة السياحية الكبرى؟

السياحة المغربية أمام امتحان أصعب

المغرب نجح في استعادة موقعه السياحي بعد الجائحة، ونجح في تحويل السياحة إلى أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وحقق خلال السنوات الأخيرة نتائج يصعب إنكارها.

لكن النجاح نفسه قد يتحول إلى تحدٍ عندما تصبح الأرقام القياسية هي سقف الطموح.

فالانتقال من 10 إلى 15 مليون سائح أسهل نسبياً عندما تكون الأسواق عطشى للسفر بعد الجائحة، لكن الحفاظ على النمو عندما تصبح قاعدة السياح أكبر بكثير يحتاج إلى شيء آخر: أسواق جديدة، منتجات سياحية جديدة، جودة أعلى، نقل أفضل، إقامة أطول، وتجربة سياحية أكثر تنافسية.

وإلا فإن المغرب قد يدخل مرحلة يكون فيها تحقيق رقم قياسي جديد أمراً سهلاً، لكن تحقيق نسبة نمو جديدة أمراً بالغ الصعوبة.

الرقم القياسي ليس كل شيء

لا توجد، في الوقت الحالي، مؤشرات تسمح بالحديث عن أزمة في السياحة المغربية. بل العكس تماماً: المداخيل ترتفع، والوافدون يتزايدون، والقيمة المضافة للقطاع تنمو.

لكن القراءة النقدية للأرقام تقول شيئاً آخر أيضاً: مرحلة النمو السريع ربما أصبحت خلفنا.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لعام 2027 وما بعده لن يكون فقط: كم سائحاً سيزور المغرب؟

بل:

كم سينفق؟ كم ليلة سيقيم؟ أين سينفق؟ وما القيمة التي سيتركها للاقتصاد المغربي؟

فإذا كان المغرب قد نجح في سباق استقطاب السياح، فإن السباق المقبل سيكون أكثر صعوبة: تحويل كل سائح إضافي إلى قيمة اقتصادية أكبر، قبل أن يتحول النمو السياحي من قصة نجاح متسارعة إلى مجرد أرقام قياسية بطيئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى