الرئسيةثقافة وفنون

هكذا بدأت من آيت بن حدو رحلة فيلم «الأوديسة»

لم يحتج كريستوفر نولان إلى بناء عالم «الأوديسة» من الصفر داخل استوديوهات ضخمة. لقد بحث عنه في أماكن موجودة بالفعل، في تضاريس تحمل آثار قرون من التاريخ، وفي قرى وقلاع وغابات وبحار يمكن للكاميرا أن تلتقطها كما هي، قبل أن تعيد إدخالها في زمن الأسطورة.

This image released by Universal Pictures shows Matt Damon as Odysseus in a scene from “The Odyssey.” (Melinda Sue Gordon/Universal Pictures via AP)

لكن بين مختلف المواقع التي احتضنت رحلة أوديسيوس يبرز المغرب بصورة خاصة

ففي الجنوب المغربي، حيث تمتد الأرض بلونها الأحمر وتنتصب القصبات الطينية في مواجهة الصحراء، وجد نولان ما يشبه بوابة طبيعية إلى عالم هوميروس. هناك، في آيت بن حدو، لم يكن بحاجة إلى اختراع مدينة أسطورية؛ كان عليه فقط أن يضع الكاميرا في المكان المناسب.

آيت بن حدو.. المغرب الذي دخل الأسطورة

عندما تظهر آيت بن حدو في «الأوديسة»، فإنها لا تبدو مجرد قرية تاريخية مغربية، وإنما تتحول إلى فضاء ينتمي إلى عصر آخر.

الكتل الطينية المتدرجة، والأبراج المحصنة، والأسوار القديمة، والأزقة الضيقة، والامتداد الصحراوي المحيط بالموقع، كلها عناصر منحت نولان مادة بصرية استثنائية لإعادة تشكيل أجواء طروادة ومحيطها.

هنا تحديداً تتضح فلسفة المخرج في التعامل مع الواقع. فبدلاً من إنشاء مدينة رقمية تشبه المدن القديمة، اختار موقعاً حقيقياً يحمل آثار الزمن في جدرانه وألوانه وتفاصيله. ومع ضوء الشمس الصحراوية، تتحول العمارة المغربية إلى مشهد سينمائي نابض بالحياة، فتبدو الحرب والحصار وكأنهما يجريان في فضاء حقيقي لا على خلفية مصطنعة.

وهذا ما يمنح الحضور المغربي في الفيلم قيمة تتجاوز مجرد احتضان التصوير. فالمغرب لم يكن بالنسبة إلى نولان مكاناً مناسباً للتصوير فحسب، بل كان جزءاً من الحل البصري الذي بحث عنه لبناء عالم «الأوديسة».

ورزازات.. ذاكرة هوليوودية تمتد لعقود

وليس مصادفة أن تكون هذه الرحلة السينمائية في قلب منطقة ارتبط اسمها أصلاً بأضخم الإنتاجات العالمية.

فورزازات، التي اكتسبت شهرة واسعة بلقب «هوليوود أفريقيا»، راكمت خلال عقود خبرة كبيرة في استقبال الإنتاجات السينمائية الدولية، مستفيدة من تنوع تضاريسها، وصفاء سمائها، وقرب مواقعها من بعضها، فضلاً عن بنيتها الخاصة بصناعة السينما.

وعلى أرضها وفي محيطها مرت أفلام وملحمات عالمية عديدة، من «المصارع» إلى «المومياء» و«الإسكندر» و«لورنس العرب»، كما احتضنت المنطقة تصوير مشاهد من أعمال تلفزيونية عالمية، من بينها «صراع العروش».

لكن «الأوديسة» تضيف فصلاً جديداً إلى هذه الذاكرة

فالمغرب هنا لا يستضيف تصوير فيلم عالمي وحسب، وإنما يستضيف إعادة تشكيل واحدة من أقدم الملاحم التي عرفتها البشرية، في وقت اختار فيه نولان العودة إلى المكان الحقيقي والطبيعة الحية بدلاً من ترك العالم الأسطوري بالكامل للمؤثرات الرقمية.

من طروادة المغربية إلى إيثاكا الصقلية

بعد المغرب، تتغير الجغرافيا وتتغير معها ملامح الأسطورة.

في جزيرة فافينيانا الإيطالية، قبالة الساحل الغربي لصقلية، وجد نولان في قلعة «كاستيلو دي سانتا كاترينا» فضاءً مختلفاً تماماً عن آيت بن حدو.

فوق قمة ترتفع نحو 314 متراً، تقف القلعة الحجرية في مواجهة البحر، مانحةً المشهد امتداداً بصرياً واسعاً ومهيباً. وهنا أعيد توظيف المكان ليحمل ملامح إيثاكا، الجزيرة التي ارتبط اسمها بأوديسيوس وانتظار عودته.

تساعد الأسوار القديمة والأبراج والممرات الحجرية المتآكلة على بناء صورة مملكة معزولة عن العالم، فيما يصبح البحر الممتد تحت القلعة عنصراً أساسياً في الحكاية، لا مجرد خلفية للمشهد.

ومن هذه المرتفعات، يصبح انتظار بينيلوبي لزوجها أكثر من لحظة درامية؛ فالبحر نفسه يبدو وكأنه يحمل السؤال الذي يرافق الشخصية: أين أوديسيوس، ومتى يعود؟

وامتدت عمليات التصوير إلى خليج «كالا روتوندا» والمنحدرات المحيطة بالجزيرة، حيث دخلت السفن الخشبية الحقيقية في قلب المشاهد البحرية، لتكتمل صورة الرحلة بعيداً عن الإحساس الذي تتركه البيئات الرقمية المغلقة.

واليوم، تحمل فافينيانا بدورها مزيجاً من التاريخ والطبيعة والسياحة، من القلعة المرتفعة إلى الشواطئ والمياه الفيروزية ومنشأة «تونارا فلوريو» التاريخية.

وفي اسكتلندا.. الطبيعة تتحول إلى تهديد

أما في غابة كولبين، على ساحل «موري فيرث» في اسكتلندا، فتتغير نبرة الفيلم بالكامل.

لا قصبات طينية هنا ولا قلاع حجرية شاهقة. بدلاً منها، أشجار كثيفة، ظلال متداخلة، ساحل مفتوح ومياه باردة، ومكان يبدو للوهلة الأولى هادئاً قبل أن يتحول إلى فضاء للخطر.

في هذه البيئة صور نولان المواجهة مع «اللايستريغونيين»، العمالقة الذين يشكلون إحدى أكثر محطات رحلة أوديسيوس دموية.

وتكتسب المواجهة قوتها من طبيعة المكان نفسه. فالغابة تخفي ما وراءها، والساحل يترك الشخصيات مكشوفة، بينما تتحول السفن والشاطئ والمياه إلى عناصر حية داخل المعركة.

مرة أخرى، لا يأتي الإحساس بالواقعية من المؤثرات، وإنما من المكان ذاته.

المغرب.. أكثر من موقع تصوير

ومع جمع هذه المواقع المختلفة، تظهر خريطة بصرية فريدة للفيلم: المغرب يمنح «الأوديسة» ملامح المدن القديمة والحروب والأسوار، صقلية تمنحه الجزيرة والقصر والبحر والانتظار، واسكتلندا تمنحه الغابة والبرد والخطر.

لكن المغرب يحتل موقعاً خاصاً في هذه الخريطة.

فآيت بن حدو لا تؤدي وظيفة خلفية عابرة؛ إنها تمنح الفيلم واحدة من أكثر صوره ارتباطاً بعالم الحضارات القديمة. وورزازات، بما راكمته من خبرة سينمائية عالمية، توفر البيئة التي جعلت من الجنوب المغربي منذ عقود نقطة التقاء بين التاريخ والسينما.

ومن هنا يمكن قراءة حضور المغرب في «الأوديسة» باعتباره امتداداً لتاريخ طويل من العلاقة بين هوليوود والمناظر المغربية، لكن هذه المرة من خلال عين نولان، المخرج الذي جعل من المكان الحقيقي جزءاً من رهانه الفني.

لقد جاء إلى المغرب بحثاً عن طروادة، لكنه وجد شيئاً أكبر من مدينة أسطورية.

وجد أرضاً تستطيع أن تحمل الأسطورة من دون أن تفقد هويتها.

وهذه ربما هي المفارقة الأجمل في «الأوديسة»: أن إحدى أقدم الحكايات في التاريخ عادت إلى الشاشة عبر مواقع حقيقية، وأن المغرب، بآيت بن حدو وتضاريس ورزازات، أصبح واحداً من أبرز الأماكن التي منحت هذه الحكاية جسدها البصري الجديد.

فبينما كان هوميروس يكتب رحلة أوديسيوس عبر البحار، يرسم نولان اليوم رحلة أخرى بالكاميرا، تبدأ من المغرب، وتعبر المتوسط، وصولاً إلى أقصى الشمال الأوروبي؛ رحلة يتداخل فيها التاريخ مع الأسطورة، ويصبح فيها المكان الحقيقي شريكاً في صناعة الخيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى