
المغرب يضع يده على «قلب» الاقتصاد الرقمي الإفريقي.. لكن لمن ستدق الخوادم؟
لم يعد السباق الرقمي في إفريقيا يُقاس فقط بعدد مستخدمي الإنترنت أو سرعة شبكات الاتصال، بل بمن يمتلك البنية التي تُخزّن البيانات وتُعالج وتحميها.
وفي هذا السباق، يراكم المغرب نقاطاً مهمة؛ إذ يتصدر، وفق معطيات نشرها موقع «آي سي تي ووركس» استناداً إلى بيانات «أب تايم إنستيتيوت»، الدول الإفريقية من حيث عدد مراكز البيانات الحاصلة على اعتماد دولي للمنشآت المُنجزة، بـ17 مركزاً استوفى شروط البناء والاختبار والجاهزية التقنية.
والأهمية هنا أن الرقم لا يتعلق بمشاريع معلنة أو تصاميم هندسية على الورق، وإنما بمنشآت اكتمل إنجازها وخضعت لاختبارات تقنية قبل حصولها على الاعتماد، وهو ما يمنح المغرب موقعاً متقدماً في سوق تتزايد فيه قيمة البيانات مع توسع الخدمات الرقمية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وراء الخوادم.. اقتصاد جديد يستهلك البيانات والطاقة
ويأتي هذا التطور في وقت يتسع فيه استخدام الإنترنت بالمغرب بصورة متسارعة.. فقد بلغ عدد اشتراكات الإنترنت 39.86 مليوناً في نهاية مارس 2025، بنسبة انتشار بلغت 108.23%، فيما تجاوز عدد مستخدمي الجيل الرابع 34.18 مليوناً.
وبلغت اشتراكات الألياف البصرية أكثر من 1.12 مليون، كما وصل متوسط الاستهلاك الشهري للإنترنت إلى نحو 40 جيغابايت للمشترك، و تظهر هذه الأرقام أن مراكز البيانات لم تعد مجرد منشآت تقنية مخفية عن الأنظار، بل أصبحت جزءاً من بنية اقتصادية استراتيجية، تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والتبريد والاتصالات والأمن السيبراني، وتفتح في المقابل سوقاً للخدمات السحابية والمالية والتجارية والذكاء الاصطناعي.
«المغرب الرقمي».. من البنية التحتية إلى خلق القيمة
ضمن هذا المسار، تراهن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» على تحويل المملكة إلى قطب رقمي إقليمي، مع هدف خلق 240 ألف منصب شغل مباشر ورفع مساهمة الاقتصاد الرقمي بأكثر من 100 مليار درهم في الناتج الداخلي الخام.
كما تعكس استثمارات شركات التكنولوجيا العالمية هذا الطموح؛ فقد أعلنت «أوراكل» استثمار 140 مليون دولار على مدى خمس سنوات لتطوير خدمات سحابية في مركزي بيانات بالدار البيضاء وسطات، لكن هذا الحضور يطرح سؤالاً يتجاوز حجم الاستثمار: هل يتحول المغرب إلى منتج للقيمة الرقمية، أم يكتفي بتوفير البنية التحتية التي تحتاجها الشركات العالمية؟
السيادة الرقمية.. السؤال الذي لا يمكن تأجيله
هنا تصبح القضية سياسية واقتصادية بقدر ما هي تقنية.. فمن يملك البيانات؟ وأين تُخزن؟ ومن يتحكم في البنية التي تمر عبرها؟ ومع توجه الدولة نحو اعتماد الحوسبة السحابية في الإدارات والقطاعات الحيوية، تصبح حماية البيانات والسيادة عليها جزءاً من الأمن الاقتصادي للدولة.
و من جهته أطلق البنك الدولي في يونيو 2026 برنامجاً لدعم التحول الرقمي بالمغرب، يشمل تطوير الأنظمة السحابية والذكاء الاصطناعي وتوسيع قاعدة المواهب الرقمية.. لذلك، فإن تصدر المغرب إفريقيا في مراكز البيانات المعتمدة ليس نهاية السباق، بل بدايته، فالنجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الخوادم التي تدور ليلاً ونهاراً، وإنما بما تنتجه من وظائف نوعية، وشركات مغربية، وابتكار، وقيمة مضافة. “فالمغرب قد ينجح في امتلاك قلب الاقتصاد الرقمي الإفريقي، لكن السؤال الأصعب يبقى: هل سيضخ هذا القلب ثروة في الاقتصاد المغربي، أم سيكتفي بتخزين ثروة الآخرين؟





