الرئسيةرأي/ كرونيكشواهد على التاريخ

نعاه إدغار موران “كان عقلاً نبيلاً ومخلصاً وعظيماً”..آلان تورين: حياة وموت اليسار السوسيولوجي

عن 97 عاماً، رحل آلان تورين في باريس، لتفقد الساحة الفكرية واحداً من أبرز علماء الاجتماع في أيامنا هذه، وهو الذي وُصف بالمفكر اليساري لكنه حظي أيضاً بتقدير يمينيين… ونعاه صديقه إدغار موران قائلاً: أنا حزين على آلان تورين، رفيق عمر 70 عامًا، عالم اجتماع عظيم ومتبصر خبير بالحركات الاجتماعية، أدخل الذاتية البشرية في علم تجاهلها. كان عقلاً نبيلاً ومخلصاً وعظيماً، وفخراً للفكر الفرنسي.

 

توفي عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين أول أمس الجمعة في باريس عن 97 عاما، على ما أفادت ابنته الوزيرة السابقة ماريسول توران لوكالة فرانس برس.

ولد آلان تورين في 3 غشت 1925 في هيرمانفيل سور مير (كالفادوس)، وسط عائلة برجوازية ومحافظة إلى حد ما، ونشأ محاطًا بالكتب.

وأنجز توران الذي كان مفكرا يساريا حظي أيضا بتقدير يمينيين، مجموعة وفيرة من الأعمال وصف خلالها ديناميات التغيير الاجتماعي خلال مرحلة “الثلاثين المجيدة” (1945 – 1975) وبعدها.

وفي هذا الإطار تعيد “دابا بريس” نشر مقالا للكاتب والصحافي اللبناني وسام سعادة تحت عنوان: آلان تورين: حياة وموت اليسار السوسيولوجي، المنشور ب” القدس العربي”

آلان تورين: حياة وموت اليسار السوسيولوجي

بقلم الصحافي والكاتب اللبناني وسام سعادة

واصل آلان تورين، عالم الاجتماع الفرنسيّ الذي رحل عن دنيا بالأمس، عن عمر 97 عاماً، البحث والمطارحة وتقفي مآل المجتمعات حتى سنيه الأخيرة. وهو بذلك وجه لظاهرة مرشحة أن تتكاثر في هذا القرن.

الراحل آلان تورين

فظاهرة منتج الأفكار التسعيني (بل الذي يجاوز المئة ويستمر في الكتابة كما في حال ادغار مورين) لم يعتدها التاريخ البشريّ من قبل. وقبل سنوات قليلة توفي الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوسيان سيف عن عمر 94 عاماً وهو في قمة نشاطه الفكري، بل وكان يخبر في الكتاب الصادر قبل أشهر من وفاته عن الجزء الذي يلي، كما لو أنّ المشتغل في حقل الأفكار لا يمكنه أن يتعامل مع الموت إلا كصدفة.

63 عاماً تفصل بين كتاب آلان تورين الأوّل عن تطور عمل العمّال في مصانع رونو للسيارات وبين كتابه الأشبه ما يكون بالوصية «دفاعاً عن الحداثة» الصادر عام 2018.

63 سنة لم تمرّ واحدة منها تقريباً دون أن يأتي بكتاب جديد. ويُصعب القول أنّه كان يُكرّر نفسه في معظم ما راكمه من نتاج. أبداً. لا يلغي أن خيطاً ناظماً ظلّ يربط بين مراحله المتعاقبة، وهذا ما يوجزه هو في آخر سطور «دفاعاً عن الحداثة» حيث يشدّد على أنه دافع طوال حياته عن «علم اجتماع الفاعلين» إزاء كل أشكال «علم اجتماع الأنساق».

أرّخت المكتبة التورينيّة هذه، لتحولات ما درجت تسميته «المجتمعات ما بعد الصناعية». انحازت إلى اليسار، وبقيت تنظر إلى اليمين، كل يمين، على أنّ مبناه الخوف من الآخر والارتعاد أمام فكرة انحطاط القوم بمرور الزمان. مع ذلك، بكّر تورين في أخذ المسافة عن التصوّرات الأيديولوجية الشاملة التي يصف بها هذا اليسار حركته.

عندما كان التحلّق حول الطبقة العاملة الصناعية لا يزال يمثّل وعي اليسار لنفسه كان تورين يفترق عن هذا الوعي الأيديولوجيّ، لصالح وعي سوسيولوجي نقديّ، قادر على الاحتفاء بحراك اجتماعي مثلاً انطلاقاً من الديناميات الجديدة التي يحملها، بصرف النظر عن الرموز والشعارات التي تحاكي في هذا الحراك ما سبقه.

فتورين مثلاً أسرع إلى اعتبار انتفاضة مايو 1968 الشبابية منعطفاً أساسياً في مسار المجتمعات ما بعد الصناعية، لكن، وبخلاف الحركات الشبابية الجذرية التي كانت تتصدر الحركة وتستقي معجمها من الماركسية كما الفوضوية، رأى تورين أن 1968 تطوي صفحة كل فكر رام إلى تغيير المجتمع انطلاقاً من اكتشاف قوانين اشتغال هذا المجتمع والسيطرة عليها. الشيء نفسه تابعه في الشهادات التي كتبها من سانتياغو نفسها (فهو كان كثير الترداد على تشيلي لأن زوجته منها) عام 1973، والتي جمعت في كتاب «حياة وموت التشيلي الشعبية».

عند تورين أن المجتمعات تتعلم أن تعرف نفسها سوسيولوجياً عندما تعترف بأنها نتاج ما تقوم به من أعمال وما هي عليه من علاقات اجتماعية

الوصف اليومي الدقيق لعملية إطاحة العسكريتاريا بالديمقراطية اليسارية الفتية تكامل لديه مع تظهير كم أن خطاب اليسار في تشيلي كان ينتمي إلى مرحلة منقضية.

تجدّد الأمر عندما وصل فرنسوا ميتران الى الرئاسة الفرنسية مطلع الثمانينيات. هذا الوصول الذي زيّن له على اليسار على أنه طريق سلمي، مؤسساتي، الى الاشتراكية، له أن يتحول الى نموذج يقتدى به في الغرب، تعامل معه تورين منذ البدء على أنه تحوّل مهم وجيد في الاجتماع السياسي الفرنسي، لكنه يطوي صفحة الاشتراكية.

عدم التساوق بين الحيوية النضالية في مجتمع ما وبين التصور الأيديولوجي الذي تتبناه هذه الحيوية عن نفسها رافق تورين في محطات عديدة.

وفي مقابل نماذج مايو 1968 وتشيلي 1973 وفرنسا 1981 أبرز الانسجام بين الفعل المجتمعي وبين الشعار المعتمد لهذا الفعل، حين أيقن أن الحراك الذي قادته نقابة «التضامن» البولونية يفتح الطريق لخروج أوروبا الشرقية من الاشتراكية.

هذا في وقت انقسم غيره في اليسار بين من يتخوف على نماذج الاشتراكية القائمة شرق القارة، وبين من يتفاءل بأن «تضامن» أو «سوليدارنوسك» من شأنها أن تساهم في تجديد شباب الفكرة الاشتراكية.

عند تورين أن المجتمعات تتعلم أن تعرف نفسها سوسيولوجياً عندما تعترف بأنها نتاج ما تقوم به من أعمال وما هي عليه من علاقات اجتماعية. بالتالي، ما عاد جائزاً الاستفهام حول طبيعة المجتمع وإنما كيفية اشتغاله، وعن كيفية أخذ هذا المجتمع مسافة من نشاطيته هو من خلال ما يسمّيه تورين «التاريخية».

مع ذلك، فإن مسحة تشاؤمية انتابت كتاب تورين الصادر عام 2013 تحت عنوان «نهاية المجتمعات». حيث ذهب فيه إلى رصد منحى مخالف لهذا الوعي السوسيولوجي. منحى لا يعود فيه المجتمع يفكر ويفعل بمصطلحات اجتماعية، وبشكل تفقد فيه المفاهيم، كمفهوم المدينة مثلاً دلالتها السوسيولوجية.

في المقابل، دفاعه عن الحداثة لعام 2018 جاء ليضبط هذا المنحى التشاؤمي نوعاً ما، وليحدد الخصومة الأساسية مع فكرة أن أوضاعنا وأفعالنا مسيطر عليها من قوانين الاقتصاد. شرط استمرار العلوم الاجتماعية يقتضي إذا مواجهة الحتموية الاقتصادوية. لكن تورين يعتبر أن هذه الحتموية الاقتصادوية تساق بطبعتين.

فالرأسمالي المضارب له مصلحة في القول بأن العالم خاضع لقوانين رأسمالية لا فكاك منها. والثوري المعادي للرأسمالية يعتبر أن العالم خاضع أيضاً لهذه القوانين، مع فارق أنه يدعو للعمل على تحطيمها وتجاوزها. يرفض تورين هاتين الطبعتين للفكرة الحتموية الاقتصادية هذه، وإذا كان يشدّد على الحداثة، فلأنه يُعرّف الحداثة على أنه «الثقة بالفعل البشري» ويفرق بين هذه الثقة وبين «الإيمان بالعقل» أو بأسطورة التقدّم الذي لا رادّ له.

أما اهتمامه بالحركات الاجتماعية منذ الستينيات إلى اليوم، واستناده اليها لتجاوز براديغم «الطبقة العاملة» فقد أخذ منحى نظرة كونية في كتبه الأخيرة.

فهو ينظر الى القرن الحادي والعشرين، والذي يبدأ عنه من  مايو 1968 على أنه قرن الحركات الاجتماعية الناهضة للمطالبة بالحقوق الأساسية في العيش الكريم لفئات مختلفة، وهو يستند إلى مقولة حنة أرندت بأن ما يميز البشر كنوع هو «حق أن يكون لهم حقوق» على أنها مفتاحية لقرننا أكثر من أي وقت مضى.

في المقابل، هو يقيم مناقضة بين حركات نيل الحقوق هذه وبين الديناميات الانطوائية الهوياتية، ويرى إلى الحركات الاجتماعية «الحقوقية» على أنها منتمية الى فكرة الكونية – اليونيفرسالية، التي تجد مرتكزاً لها في تركة عصر التنوير الأوروبي.

 

في الوقت نفسه، يعتبر تورين أن «الحداثة الفائقة» التي ولجنا إليها من سماتها أيضاً اشتداد السمة المضاربة للرأسمالية، وبالتالي اشتداد التناقض بين الديمقراطية الكونية، المبنية على الحركات الاجتماعية لنيل الحقوق الأساسية المختلفة هذه، وبين هذا التدمير الحاصل لشروط العيش على هذا الكوكب.

هذا من دون أن يطرح السؤال عن مآل هكذا صراع، أو عن الفكرة التي يمكن أن تربط بين كافة مستوياته. من دون أشياء عديدة أيضاً، ليس أقلها أن الفاصل بين حركات السعي من أجل الحقوق وبين سياسات الهوية ليس فاصلاً واضحاً على الدوام، وأن المكان الشاغر بانطفاء بريق فكرة الاشتراكية هو تماماً كالمكان الشاغر بانسحاب الآلهة: ليس يمكن ملؤه بسهولة، وليس يمكن تشاغل الفراغ الذي يصنعه في الأفعال والنفوس. «اليسار السوسيولوجي» لا يمكن أن يصادر الحاجة الى الأيديولوجيا.

مصدر المقال الرئيسي  آلان تورين: حياة وموت اليسار السوسيولوجي:  القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى