
تحرير: جيهان مشكور
خرجت شرارة جديدة من مدينة بني ملال الهادئة، في مشهد سياسي لا يخلو من المفارقات.. فقد أكدت مصادر محلية أن محمد منيالي، مندوب الشبكة المغربية لحقوق الإنسان والرقابة على الثروة وحماية المال العام، قرر أن يرفع شكاية رسمية إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالمدينة ضد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، بتهمة “إهانة العلم الوطني”.
القضية، وإن بدت في ظاهرها حادثاً بسيطاً مرتبطاً بصورة أو مقطع عابر، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى نقاش واسع حول رمزية العلم الوطني ومكانته في وجدان المغاربة، خصوصاً عندما يكون المتهم رئيس الحكومة، المنصب الثاني في هرم الدولة.
الشكاية… من المواطن إلى النيابة العامة
لم يتردد منيالي، الناشط الحقوقي، في التوجه نحو المسار القضائي.. ففي نص الشكاية التي يعتزم تقديمها، والتي وجه نسخة منها إلى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف ببني ملال، يؤكد أن رئيس الحكومة “جلس على العلم الوطني خلال لقاء حزبي”، معتبراً أن هذا التصرف “يمس بحرمة ورمزية أحد أهم مقدسات الوطن، ويخالف بشكل صارخ مقتضيات القانون الجنائي المغربي التي تجرّم أي فعل من شأنه الإساءة إلى الرموز الوطنية”.
العلم الوطني… أكثر من قطعة قماش
فالأمر ليس مجرد صورة أو حركة عفوية كما قد يراها البعض.. العلم الوطني في المخيال الجماعي المغربي ليس رمزاً سياسياً يُرفع في المهرجانات فحسب، بل هو امتداد للذاكرة الوطنية التي روتها دماء الشهداء وملاحم التحرر، و الجلوس عليه، أو حتى إهماله في سياق رسمي، يثير حساسية عميقة لدى المواطن العادي الذي يرى في هذا العلم آخر ما تبقى من قواسم مشتركة في بلد تتعدد فيه التناقضات، من هنا، جاءت ردة الفعل الغاضبة التي صاحبت انتشار الخبر، معتبرة أن ما جرى يتجاوز “زلة بروتوكولية” إلى “إهانة لرمز سيادي” .
بين السياسة والرمزية
تفتح القضية الباب على سؤال أكبر: كيف يمكن لمسؤول حكومي، يُفترض فيه تمثيل الدولة، أن يتورط في سلوك يثير شبهة المساس برمزها؟
في المقابل، يطرح آخرون سؤالاً لا يقل إلحاحاً: هل ما حدث خطأ يستوجب المتابعة القضائية، أم أنه مجرد توظيف سياسي لقضية رمزية في زمن أصبح فيه كل شيء قابلًا للاستثمار الانتخابي؟
وفي الحالتين، يبقى الإحراج قائماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخص يجمع بين الثروة والسلطة، ويُتهم اليوم من طرف ناشط حقوقي بالمساس بأغلى ما تملكه الدولة: شرف علمها.
حين يلتقي المال بالرمز… أزمة صورة أم أزمة وطن؟
الحادثة، في عمقها، ليست سوى مرآة تعكس تصدع العلاقة بين المواطن والدولة.. فحين يرى المواطن أن من يُفترض أنه “حامي الراية” يجلس فوقها، يشعر بأن الكرامة الوطنية أصبحت قابلة للدهس في سبيل النفوذ والمصالح.
القصة، إذن، ليست عن العلم وحده، بل عن مفهوم الانتماء ذاته، وعن صورة الطبقة السياسية التي فقدت حسها الرمزي، فلم تعد تفرّق بين منصة خطاب وبين راية وطن.
علمٌ يُهان… وضميرٌ يُستفز
قد تنتهي هذه القضية في رفوف المحاكم أو في ضجيج وسائل التواصل، لكن رمزية الحدث ستظل حاضرة.. لأن المسألة ليست في فعل “الجلوس” بقدر ما هي في المعنى الذي يجلس عليه صاحب السلطة حين يستهين بما يرمز للوطن.
ولعل الرسالة الأعمق التي يوجهها المواطن من بني ملال إلى الرباط هي: احترموا ما تبقى من رموزنا، لأن الوطن ليس شعاراً انتخابياً… بل كرامة تُحمل، لا يُجلس عليها.





