الرئسيةتحقيقسياسة

ماذا كشفت سبتة مرة أخرى؟..الهجرة تفضح الاختلالات

 لم تكن مشاهد آلاف الشباب المغاربة وهم يتدفقون نحو مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة مجرد خبر عابر في أجندة الهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى حدث استثنائي أعاد رسم النقاش داخل المغرب، بين من يقرأ ما جرى باعتباره تحديا أمنيا يستوجب تشديد الرقابة على الحدود، ومن يعتبره مؤشرا اجتماعيا يكشف عمق الأزمة التي يعيشها جزء من الشباب الباحث عن أفق خارج الوطن.

ففي الوقت الذي كانت فيه منصات التواصل الاجتماعي تعج بمقاطع توثق محاولات العبور الجماعي، بدأت السلطات الإسبانية، بتنسيق مع المغرب، إعادة عدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، في خطوة عكست سرعة تفعيل التعاون الأمني بين البلدين لاحتواء واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها المنطقة منذ أزمة سنة 2021.

تعاون يتجاوز إدارة الحدود التحرك الإسباني المغربي

تعاون إسباني مغربي، لم يقتصر على الانتشار الأمني، بل امتد إلى تفعيل آليات الإرجاع وتسريع التنسيق الميداني بين الأجهزة المختصة.

سارعت وزارة الداخلية الإسبانية  إلى التأكيد على متانة التعاون مع المغرب في تدبير ملف الهجرة، مشيدة بالدور الذي قامت به السلطات المغربية في إحباط آلاف محاولات العبور، فيما شدد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا على أهمية استمرار هذا التنسيق لمواجهة شبكات تهريب البشر والحد من التدفقات غير النظامية.

في المقابل، كثفت السلطات المغربية مراقبة المحاور المؤدية إلى المناطق الحدودية، في محاولة لمنع وصول مزيد من الراغبين في العبور، وهو ما يعكس أن المقاربة الأمنية ما تزال تمثل الخيار الأول لدى البلدين في إدارة الأزمة.

غير أن هذا التنسيق، رغم فعاليته الميدانية، لم يمنع طرح سؤال أكبر: هل يمكن للأمن وحده أن يوقف موجة يغذيها الإحباط الاجتماعي قبل أي شيء آخر؟

حكم قضائي فتح الباب أمام المهربين وسط الجدل المتصاعد

برزت معطيات قانونية اعتبرتها أوساط إسبانية أحد العوامل التي ساهمت في تضخم موجة العبور. ويتعلق الأمر بقرار للمحكمة العليا الإسبانية يمنع عمليات “الإرجاع الفوري” للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة أو مليلية عبر البحر، باعتبار أن المياه لا تشكل حاجزا حدوديا ماديا كالأسوار الحدودية.

ويرى متابعون أن هذا القرار، الذي جاء في سياق حماية الحقوق الأساسية للمهاجرين، تحول في التطبيق إلى فرصة استغلتها شبكات الاتجار بالبشر، التي روجت على نطاق واسع لإمكانية الوصول إلى الأراضي الإسبانية دون التعرض للإعادة الفورية، وهو ما شجع مئات الشباب على خوض مغامرات محفوفة بالمخاطر.

 أبعد من فرضية المؤامرة داخل المغرب

لم يتوقف النقاش عند حدود الأمن أو القانون، بل انتقل سريعا إلى البحث في الأسباب التي دفعت آلاف الشباب، بينهم قاصرون وطلبة وعاطلون، إلى المجازفة بحياتهم.

وبينما ذهبت بعض الأصوات إلى الحديث عن وجود تحريض أو مؤامرة خارجية، اعتبر عدد من الإعلاميين والباحثين أن هذا التفسير لا يكفي لفهم ما جرى، لأن أي دعوات أو شائعات لا يمكن أن تجد صدى واسعا ما لم تصادف واقعا اجتماعيا يسمح بانتشارها.

ويرى هؤلاء أن ما حدث لا يمكن اختزاله في ساعات قليلة من التعبئة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل يعكس تراكمات اقتصادية واجتماعية جعلت الهجرة بالنسبة إلى كثير من الشباب تبدو خيارا أكثر واقعية من انتظار تحسن الأوضاع داخل البلاد.

 انتقادات لخطاب المنجزات المبالغ فيه

إن الأحداث أعادت كذلك الجدل حول حصيلة السياسات العمومية، بعدما اعتبر عدد من الفاعلين السياسيين والإعلاميين أن مشاهد الهجرة الجماعية تتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية وتوالي المشاريع الكبرى.

وفي هذا السياق، اعتبرت الأكاديمية والحقوقية لطيفة البوحسيني أن ما وقع في الشمال يكشف حدود خطاب المنجزات أمام واقع اجتماعي يتسم بتراجع الثقة في المستقبل، وارتفاع منسوب الإحساس بالإقصاء، معتبرة أن فقدان الأمل لدى فئات واسعة من الشباب أصبح عاملا رئيسيا في اتخاذ قرار الهجرة، مهما كانت المخاطر.

كما انتقدت استمرار مظاهر الريع والفساد واتساع الفوارق الاجتماعية، معتبرة أن معالجة الظاهرة تستدعي مراجعة السياسات العمومية وليس الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.

وفي الاتجاه نفسه، شدد الصحافي يونس مسكين على أن تعليق كل شيء على شماعة المؤامرة أو التحريض الخارجي لا يقدم تفسيرا مقنعا، لأن العامل الحاسم يبقى وجود بيئة اجتماعية تعاني من اختلالات عميقة تجعل الشباب أكثر قابلية لتصديق أي رواية تمنحهم أملا بالخروج.

أما الإعلامي محمد حفيظ، فاعتبر أن اتفاق تسريع إعادة المهاجرين قد يحقق هدفا أمنيا وإداريا بالنسبة لإسبانيا، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري المتعلق بالأسباب التي دفعت آلاف المغاربة إلى مغادرة البلاد، مؤكدا أن ما جرى تجاوز مفهوم الهجرة السرية التقليدية ليقترب من ظاهرة هروب جماعي تعكس أزمة ثقة في المستقبل.

الإعلام العمومي تحت المجهر

ولم يقتصر النقاش على الجانب السياسي، بل امتد إلى أداء الإعلام العمومي، حيث اعتبر عدد من الإعلاميين أن حجم الأحداث كان يستدعي مواكبة أكثر كثافة، بالنظر إلى ما شهدته المنطقة من محاولات عبور وحوادث غرق واستنفار أمني.

وأثار هذا الغياب تساؤلات حول دور الإعلام العمومي في تغطية القضايا الوطنية الكبرى، ومدى قدرته على مواكبة الأحداث التي تستحوذ على اهتمام الرأي العام.

أزمة تتجاوز الحدود

تكشف التطورات الأخيرة أن الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد ملف يتعلق بحماية الحدود أو مكافحة شبكات التهريب، بل أصبحت مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية داخل المغرب.

فالمقاربة الأمنية، رغم أهميتها في الحد من التدفقات، تبدو عاجزة عن معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم، وفي مقدمتها البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وضعف الثقة في المستقبل.

وبينما يواصل المغرب وإسبانيا تعزيز تعاونهما الأمني لضبط الحدود، تظل الأسئلة الكبرى معلقة: هل يكفي تشديد المراقبة لإيقاف موجات الهجرة؟ أم أن الحد من الظاهرة يمر أولا عبر إعادة بناء الثقة، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، حتى لا تتحول سبتة، في كل أزمة جديدة، إلى الوجهة التي يختبر عندها آلاف الشباب حدود الأمل واليأس؟

أسئلة لم تنته بعد

ربما نجحت الإجراءات الأمنية في احتواء موجة العبور الأخيرة، لكن ما حدث في سبتة لا يبدو حدثًا عابرًا يمكن طيه بإعادة المهاجرين إلى المغرب. فخلف آلاف الشباب الذين اندفعوا نحو البحر، تقف أسئلة أكبر من الحدود وأعمق من المقاربة الأمنية.

هل كانت موجة سبتة مجرد نتيجة لشائعة استغلتها شبكات الاتجار بالبشر، أم أنها كشفت حجم اليأس الذي يدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم؟

إلى أي حد تعكس هذه الأحداث أزمة ثقة في المستقبل أكثر مما تعكس أزمة هجرة؟

لماذا تحولت مدن الشمال إلى نقطة انطلاق لموجة بهذا الحجم؟ وهل يرتبط ذلك بالبطالة، أم بالفوارق المجالية، أم بتراجع الإحساس بوجود فرص حقيقية للترقي الاجتماعي؟

كيف يمكن تفسير مشاركة قاصرين وتلاميذ وطلبة وعاطلين عن العمل في المشهد نفسه؟ وما الذي يجمع بينهم رغم اختلاف أوضاعهم الاجتماعية؟

هل تكفي المقاربة الأمنية لإغلاق هذا الملف، أم أن الحل يبدأ من المدرسة، وسوق الشغل، والسياسات الاجتماعية، وجودة الخدمات العمومية؟

إلى أي مدى ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الظاهرة، وهل أصبحت الشائعات الرقمية قادرة على توجيه قرارات جماعية بهذا الحجم؟

وهل كشفت أحداث سبتة فجوة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية وإحساس جزء من المجتمع بواقعه اليومي؟

ثم ماذا عن المسؤوليات السياسية؟ وهل ستقود هذه الأحداث إلى مراجعة السياسات العمومية المرتبطة بالشباب والتشغيل والتنمية المجالية، أم ستظل مجرد أزمة عابرة تُطوى بانتهاء موجة العبور؟

تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، لأنها لا تتعلق فقط بما حدث في سبتة، بل بمستقبل العلاقة بين الشباب ووطنهم، وبقدرة السياسات العمومية على تحويل الاستقرار الأمني إلى استقرار اجتماعي واقتصادي يشعر به المواطن في حياته اليومية.

وربما تكون الإجابة عنها بداية تحقيق أوسع، لا يكتفي برصد ما وقع، بل يبحث في الأسباب العميقة التي جعلت آلاف المغاربة يرون في الضفة الأخرى أفقًا أقرب من وطنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى