الرئسيةرأي/ كرونيك

اتهام أم تضليل؟ مطلب حل مجلس الصحافة ليس عدميًا بل دعوة لإعادة التأسيس

بقلم أحمد دابا

يشهد الوسط الإعلامي المغربي نقاشاً واسعاً حول مستقبل المجلس الوطني للصحافة، بعد انتهاء ولايته الرسمية، في وقت انتهت فيه أيضا صلاحية اللجنة المؤقتة التي كلفت بتدبير شؤون القطاع كحل  انتقالي، والانتقالي تحول لدائم عمليا.

تصاعد الدعوات المهنية المطالِبة بحل المجلس وإعادة تأسيسه

ومع هذا الفراغ المؤسساتي غير المسبوق، تتصاعد الدعوات المهنية المطالِبة بحل المجلس وإعادة تأسيسه على أسس ديمقراطية جديدة، وهي مطالب يعتبرها البعض “عدمية”، فيما يراها آخرون ضرورة إصلاحية ملحة لتصحيح مسار تنظيم المهنة.

تسريب يهز الثقة… لكنه ليس أصل الأزمة

 فجّر تسريب لقطات مصوّرة من اجتماع لجنة الأخلاقيات التابعة للجنة المؤقتة غضباً واسعاً بين الصحافيين والفاعلين السياسيين والمهنيين، بعدما أظهرت المقاطع توجهاً عقابياً ووصائياً يُنظر إليه كابتعاد عن روح التنظيم الذاتي للمهنة.

لكن التسريب لم يكن سوى قمة جبل الجليد، إذ جاءت ردود الفعل لتكشف حجم التراكمات البنيوية التي تعاني منها تجربة المجلس منذ تأسيسه.

أكثر من 230 صحافياً يطالبون بالحل: موقف مهني لا لحظة غضب

في ظل هذا السياق، رفع أزيد من 230 صحافياً وصحافية عريضة تطالب بحل المجلس الوطني للصحافة، ثم جددوا نفسه المطلب خلال وقفة احتجاجية أمام وزارة الاتصال.

ورغم وصف الوزير المهدي بنسعيد هذا المطلب بأنه “غير واقعي”، يرى فاعلون إعلاميون أن الدعوة للحل ليست “نزوة” ولا “عدمية”، بل تعبير عن أزمة ثقة عميقة وعن ضرورة إعادة التأسيس.

الإعلامي محمد المساوي يؤكد أن “المطلب ليس رد فعل انفعاليا، بل نتيجة مسار أثبت أن المجلس لم ينجح في تمثيل الصحافيين ولا في حماية استقلاليتهم”.

فيما يصف الصحافي إسماعيل عزام تجربة المجلس بأنها “ولدت مشوّهة منذ البداية” بسبب اختلالات في البناء والتمثيل والوظيفة.

اللجنة المؤقتة… ولاية انتهت وشرعية تلاشت

يزداد المشهد تعقيداً بسبب انتهاء صلاحية اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، التي كانت قد وُضعت أساساً كحلّ مؤقت إلى حين إصلاح الإطار القانوني وانتخاب مجلس جديد.


لكن اللجنة انتهت ولايتها دون أن تُستبدل بأية هيئة شرعية، ليستمر القطاع في وضع “استثناء بلا نهاية”.

فيما يرى اخرون  أن “اللجنة المؤقتة لم تُحدث الانتقال المنتظر، وانتهاء صلاحيتها دون بديل قانوني واضح يُدخل القطاع في منطقة رمادية تُفاقم أزمة الشرعية”.

مشروع قانون “على المقاس”: محاولة هيمنة أم إصلاح؟

النقاش ازداد احتداماً مع ظهور مشروع قانون جديد كان يُراد تمريره بسرعة، وهو الذي سيكون محط تداول في مجلس المستشارين الاثنين القادم.

هذا المشروع، وفق مختصين في الإعلام، أعاد إنتاج الاختلالات نفسها بل زادها حدة؛ إذ فتح الباب أكثر أمام مالكي المؤسسات الإعلامية والناشرين، أي “باطرونا الصحافة”، للسيطرة على المجلس، على حساب تمثيلية الصحافيين.

وفي هذا الإطار قال المختص الإعلامي عبد الصمد بنعيسى إن المشروع “كان سيحوّل المجلس إلى هيئة ضبط، لا هيئة مهنية. ويعطي السلطة الأكبر لمن لديهم نفوذ اقتصادي، على حساب الفاعلين المهنيين، في تهديد مباشر لاستقلالية الصحافة”.

تمثيلية الصحافيين… الحلقة الأضعف في البناء

أحد أبرز الانتقادات الموجهة لتجربة المجلس هي ضعف التمثيلية الحقيقية للصحافيين داخله، وهو ما أدى إلى فقدانه شرعية مهنية.

كما أن لجنة الأخلاقيات، التي يفترض أن تكون قلب التنظيم الذاتي، هي الأخرى شهدت اختلالات في تركيبتها بعد أن طغى منطق المقاولة على منطق المهنة، ما انعكس على طبيعة القرارات الصادرة عنها.

الباحثة في الإعلام والاتصال فاطمة الزهراء قديدي تعتبر أن “غياب التوازن بين الصحافيين والناشرين جعل المجلس أقرب إلى جهاز لتنظيم السوق الإعلامية منه إلى هيئة للحماية المهنية”.

حلّ المجلس: تفكيك أم إعادة تأسيس؟

بالنسبة لعدد من المختصين، فإن الدعوة إلى حل المجلس ليست مشروعاً لتدمير مؤسسة قائمة، بل مشروعاً لإعادة بنائها.
فالمطلوب ليس “إلغاء التنظيم”، بل إنشاء تنظيم جديد أكثر ديمقراطية وشفافية، يعكس ميزان القوى داخل المهنة ويضمن للصحافي مكانته وصوته.

في هذا الإطار، شدد  الأستاذ محمد الطيبي، الباحث في سياسات الإعلام، على أن “المطلوب هو مجلس جديد بتركيبة تُنتخب ديمقراطياً، وتُمنح فيها الغلبة للصحافيين، مع ضوابط مهنية واضحة، بعيداً عن منطق الضبط والتحكم الذي كان يهدد بتحويل المجلس إلى جهاز رقابة”.

خلاصة: لحظة مفصلية لإعادة كتابة قواعد المهنة

إن الأزمة الحالية، على تعقيدها، تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الصحافة المغربية.


فانتهاء ولاية المجلس وانتهاء صلاحية اللجنة المؤقتة وتراجع الثقة المهنية وتقديم مشروع قانون منحاز، كلها عناصر تشكّل فرصة لإعادة التفكير في نموذج التنظيم الذاتي.

فالمطلب اليوم ليس فقط حلّ المجلس، بل إعادة تأسيسه:، بمعنى أكثر وضوحا، مجلسا بتمثيلية مهنية حقيقية، وبآليات شفافة للمساءلة، وبمسافة متوازنة مع الدولة وأرباب المقاولات، يهدف إلى حماية الصحافي وليس مراقبته، وإلى تعزيز استقلالية المهنة بدل تطويعها.

التقدير الواقعي الواضح، أمام شبه انهيار لكل الوسائط، أن الصحافة اليوم هي آخر قلاع الدفاع عن القيم الديمقراطية في المغرب، حيث هي  تقوم بدور الحارس الأمين للشفافية والمساءلة، وهي التي تكشف التجاوزات والفساد، وتمنح المواطن صوتاً في الفضاء العام.

إنها ببساطة، ليست مجرد ناقل للأخبار، بل فضاء لمساءلة السلطة وتعزيز الحق في المعلومة، وساحة حيوية لدعم انتقال ديمقراطي حقيقي يضمن العدالة والمساواة وحرية التعبير. بدون صحافة حرة ومستقلة، يبقى حلم مجتمع ديمقراطي ناضج مجرد شعار بلا مضمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى