
اعتبر محمد الساسي، القيادي في فيدرالية اليسار الديمقراطية، أن أبرز التحولات التي يعرفها الحقل الحزبي المغربي تتمثل في تغيّر وظيفة الأحزاب وانحرافها عن دورها الأصلي. فبدلاً من السعي إلى تحويل برامجها إلى سياسات دولة، أصبحت حسب قوله تعمل اليوم على مواءمة برامجها مع توجهات الدولة، في تحول يعكس تراجع طموح الأحزاب من الحكم أو المشاركة فيه إلى مجرد تدبير يومي، مقابل تقديم تنازلات متواصلة لضمان البقاء داخل الحكومة.
الساسي: التقرب من الدولة أصبح هو مصدر القوة السياسية
جاء ذلك، خلال الندوة الفكرية حول “تحولات الحقل الحزبي المغربي”، حيث أوضح الساسي أن التقرب من الدولة أصبح هو مصدر القوة السياسية، وأن الدولة هي التي تبادر إلى “إصلاح” بنية الأحزاب عوض أن تعمل الأحزاب على إصلاح الدولة.
واعتبر أن هذه الوضعية ولدت ما سماه بـ“ظاهرة التماهي المتبادل” بين مجموعتين سياسيتين تاريخياً مختلفتين؛ فالجدار الذي كان يفصل بينهما، والذي كان يعكس تبايناً في المواقف تجاه المؤسسة الملكية، قد انهار اليوم. فالمجموعة الأولى التي تربط السيادة الملكية بإمارة المؤمنين، والمجموعة الثانية التي كانت ترى في الملك قائد المشروع التنموي أو الحداثي الديمقراطي، باتت وفق الساسي، تتقاسمان المرجعية نفسها تقريباً.
وأشار الساسي إلى أن التمييز الحزبي في المغرب لم يكن دائماً قائماً على ثنائية اليمين واليسار، بل على وجود كتلتين سياسيتين كبيرتين:
ديمقراطية مقيدةبالخصوصية الدينية والدستورية
الأولى لا تتصادم مع القرارات الملكية وتعتبر الديمقراطية في المغرب حالة خاصة مقيدة بالخصوصية الدينية والدستورية،
والثانية تضم “الأحزاب التاريخية” التي كانت في فترات عديدة، تعارض اختيارات الملك الراحل الحسن الثاني.
غير أن هذا التمييز، برأي الساسي، بدأ يتلاشى تدريجياً إلى أن تحول المشهد إلى تعددية شكلية تتجه نحو منطق “الحزب الواحد”، مع تقارب غير مسبوق في المواقف والخيارات، واصطفاف عام حول مبدأ السيادة الملكية، تجلى —كما قال: الساسي في الإجماع الذي أحاط بالتصويت على الدستور.
كما تناول الساسي ما يسمى بـ“الأحزاب الإدارية” التي ظهرت بعد الاستقلال، مبرزا أنها كانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الهيكلة في بداياتها، لكنها تعمل اليوم على تطوير برامجها بفعل ضغط الملاءمة القانونية والاستحقاقات الانتخابية.
وأضاف أنها تجذب عدداً متزايداً من الأطر العليا والفنانين والمفكرين في المدن والبوادي، كما توسع حضورها داخل النقابات والجمعيات، وتؤسس مقرات دائمة للتخلص من الطابع الموسمي الذي طبع عملها لسنوات.
الحقل الحزبي مر بتحولات عميقة في الخطاب والممارسة
وخلص الساسي إلى أن الحقل الحزبي المغربي يعيش مرحلة إعادة تشكل عميقة، تتسم بتمييعه السياسي وفقدان الحدود الفاصلة بين مكوناته، في ظل انتقال الأحزاب من موقع الفاعل المؤثر إلى موقع المفعول به داخل هندسة السلطة.
وأشار الساسي، أن الحقل الحزبي مر بتحولات عميقة في الخطاب والممارسة؛ إذ انتقل من خطاب وطني يقوم على رؤى إيديولوجية واضحة، إلى خطاب “مائع” وفضفاض لا يحمل مواقف مبدئية حادة، ومن الدفاع عن الملكية ككيان دستوري إلى الدفاع عن “المنجزات الملكية” و“الأوراش الكبرى” دون مساءلتها أو تقديم بدائل سياسية مستقلة.
كما لفت الساسي إلى تغير جوهري في مصادر القوة داخل النسق الحزبي؛ فبدلاً من أن تستمد الأحزاب قوتها من شرعيتها الشعبية وبرامجها السياسية، أصبحت تعتمد على القرب من النظام لضمان بقائها، وهو ما أحدث انقلابا في أولوياتها وترتيباتها الداخلية، وأفقدها جزءاً من وظيفتها التمثيلية وقدرتها الإقتراحية.





