
“نور 3”.. عندما تصطدم دعاية الإنجاز بواقع الأعطال
مرة أخرى، تعود محطة “نور ورزازات 3″ إلى دائرة التوقف، وكأن الأعطال أصبحت جزءاً من دورة تشغيلها أكثر من إنتاج الكهرباء نفسه، ففي الوقت الذي يواصل المغرب تقديم مركب نور باعتباره أحد أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم ورمزاً لنجاح الانتقال الطاقي، تكشف الوقائع التقنية المتكررة عن صورة مغايرة تثير أسئلة محرجة حول جودة الإنجاز، ونجاعة الصيانة، وحسن تدبير مشروع استثمرت فيه مليارات الدراهم من المال العام والتمويلات الدولية.
فقد أعلنت المعطيات المتوفرة تسجيل “تسرب جديد للأملاح المنصهرة” في الجزء الجنوبي من الخزان الحراري بمحطة “نور 3″، ما فرض وقف تشغيلها مجدداً، مع ترجيحات باستمرار هذا التوقف إلى غاية نهاية أكتوبر المقبل، في انتظار استكمال عمليات الفحص والإصلاح التي تشرف عليها وكالة “مازن”، وتتركز التحقيقات التقنية حول احتمال أن تكون التمددات الحرارية واختلافها بين مكونات الخزان السبب الرئيسي وراء هذا الخلل، إضافة إلى التحقق من مدى تأثر الصفائح المعدنية ونقاط اللحام.
عطل يتكرر… والثقة تتآكل
المثير في هذه القضية أن الأمر لا يتعلق بحادث معزول، بل بتكرار لنفس السيناريو تقريباً، ففي فبراير 2024 تعرضت المحطة لتسرب مماثل أدى إلى توقفها عن الإنتاج لمدة قاربت 14 شهراً، قبل أن تستأنف نشاطها في أبريل 2025، لتعود بعد أشهر قليلة فقط إلى نقطة الصفر.
هذا التكرار لا يطرح فقط تساؤلات تقنية، بل يفتح باباً واسعاً للنقاش حول مدى صلابة البنية الهندسية للمحطة، وجودة الدراسات التي سبقت إنجازها، ومدى فعالية برامج الصيانة الوقائية.. فالمشاريع الاستراتيجية يفترض أن تُبنى على أعلى معايير الاعتمادية، لا أن تتحول إلى ورش دائم للإصلاحات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشأة يفترض أن تؤمن جزءاً من الأمن الطاقي للمملكة.
رهان استراتيجي أمام اختبار صعب
دخلت محطة “نور 3” الخدمة سنة 2018 بقدرة إنتاجية تصل إلى 150 ميغاواط، وتعتمد على تقنية الطاقة الشمسية المركزة بنظام البرج مع تخزين حراري بالأملاح المنصهرة التي تبلغ حرارتها حوالي 565 درجة مئوية، وهي تقنية تتيح إنتاج الكهرباء حتى بعد غروب الشمس، ما يجعلها من أكثر المشاريع تطوراً في القارة الإفريقية.
وتشكل المحطة جزءاً من مركب نور بورزازات، الذي يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، كما تشير معطيات رسمية إلى أن المغرب بلغ بالفعل نحو 45% من القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة، بينما تتجاوز الاستثمارات الموجهة لهذا التحول عشرات مليارات الدراهم، في ظل سعي المملكة إلى تقليص التبعية للوقود الأحفوري الذي لا يزال يمثل الجزء الأكبر من واردات الطاقة.
الانتقال الطاقي لا ينجح بالشعارات
ورغم أهمية هذا التوجه الاستراتيجي، فإن استمرار الأعطال في واحدة من أبرز منشآت الطاقة الشمسية يهدد بإضعاف ثقة الرأي العام في مشاريع يفترض أن تكون نموذجاً للكفاءة والاستدامة، فكل توقف طويل يعني خسارة في الإنتاج، وارتفاعاً في تكاليف الإصلاح، وضغطاً إضافياً على المنظومة الكهربائية، فضلاً عن تأثيره على صورة المغرب لدى المؤسسات المالية والشركاء الدوليين الذين راهنوا على هذا المشروع.
وإذا كانت التكنولوجيا المتقدمة تحمل بطبيعتها تحديات تقنية معقدة، فإن ذلك لا يعفي الجهات المشرفة من تقديم إجابات شفافة للرأي العام حول أسباب تكرار الأعطال، وحجم الخسائر المالية المترتبة عنها، والمسؤوليات المحتملة، فالمواطن الذي يتحمل كلفة المشاريع الكبرى من خلال المال العام، من حقه أن يعرف لماذا تتحول منشآت وُصفت يوماً بأنها مفخرة وطنية إلى عنوان متكرر للتوقفات والإصلاحات، بينما تستمر الخطابات الرسمية في رسم صورة مثالية لا تصمد طويلاً أمام أول اختبار ميداني.





