الرئسيةمجتمع

الأرصفة محتلة والفوضى تعم الشوارع

هذه الصورة لا تحتاج كثير شرح، لأنها تختصر القصة كاملة. دكان تحوّل إلى سوق، ورصيف اختفى، وشارع صار مستودعًا مفتوحًا. صناديق الخضر مصطفّة كأنها تمتلك المكان بحكم الواقع، عربة ثلاثية العجلات مركونة وسط الفضاء العام بلا أدنى اعتبار للسير أو السلامة، ونساء جالسات في الهامش وكأنهنّ جزء من الديكور الحضري للفوضى. هنا لا نرى فقط احتلالًا للملك العمومي، بل نرى تطبيعًا مع الفوضى، حيث يصبح الخرق مألوف، ويغدو احترام القانون سلوك شاذ

°تحرير: بثينة المكودي

في عدد متزايد من الأحياء، لم يعد الرصيف مجرد ممرّ للمشاة، بل تحوّل إلى فضاء مستباح تمد إليه دكاكين الخضر والفواكه أذرعها دون حرج.

صناديق بلاستيكية، وموازين حديدية، ومظلات مهترئة، وعربات متوقفة عشوائيا ، تصنع مشهد يومي يدفع المارة إلى الشارع، ويحوّل التنقل البسيط إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، هنا لا يتعلق الأمر بتجارة القرب في بعدها الاجتماعي، بل باعتداء صريح على الملك العمومي يُدار بمنطق الأمر الواقع.

من نشاط مشروع إلى فوضى دائمة

بيع الخضر نشاط اقتصادي مشروع ومطلوب، لكنه يظل مقيدًا بحدود القانون والفضاء. حين يغادر النشاط عتبة المحل ليحتل الرصيف والشارع، ينتقل من المشروعية إلى المخالفة. التوسّع غير المرخّص، سدّ الممرات، وعرقلة السير ليست تفاصيل هامشية، بل أفعال تفرغ الحق في المدينة من معناه، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة مستمرة.

القانون حاضر… والتنفيذ غائب

الإطار القانوني المغربي واضح في تعريف الملك العمومي وحمايته من كل احتلال دون سند قانوني. استغلال هذا الفضاء لا يكون إلا بترخيص مؤقت، مضبوط المساحة والمدة، وقابل للسحب عند الإخلال بالشروط.

كما تُجرّم النصوص عرقلة المرور وتعريض سلامة المواطنين للخطر. غير أن ما يقع على الأرض يكشف فجوة بين النص والتطبيق، حيث تُمنح الرخص دون مراقبة، أو تُغضّ العيون عن خروقاتها، فتُفرّغ القوانين من قوتها الردعية.

الأرصفة كلفة خفية تدفعها المدينة

فوضى احتلال الأرصفة لا تمرّ دون ثمن. السلامة الجسدية للمشاة تُوضع على المحك، خاصة الأطفال والمسنين وذوي الإعاقة. المنافسة التجارية تُشوَّه حين يُكافأ من يحتل الفضاء العام على حساب من يحترم القانون. الصحة العامة تتأثر بعرض مواد غذائية في ظروف غير ملائمة، بينما يتآكل المشهد الحضري وتُختزل المدينة في ممرات خانقة وفوضى بصرية دائمة.

مسؤوليات متداخلة وصمت غير بريء

الجماعات الترابية تملك سلطة التنظيم والضبط، والسلطات المحلية تملك أدوات الردع، والتاجر يملك قرار الالتزام أو المخالفة، وحين يغيب الحزم ويتحوّل الصمت إلى ممارسة يومية، يصبح الجميع شريك في إنتاج الفوضى، حيث لا يمكن تبرير الاعتداء على الملك العمومي بخطاب اجتماعي فضفاض يخلط بين الحق في الشغل وحق المواطنين في فضاء آمن وسالك.

الجماعات المحلية… حين يتحول الصمت إلى تدبير

في قلب هذه الفوضى، تبرز مسؤولية الجماعات المحلية بوصفها الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرا في آن واحد، فهذه الجماعات ليست مجرد طرف هامشي، بل هي الجهة القانونية المخوّل لها تنظيم استغلال الملك العمومي، وضبط الرخص، ومراقبة شروطها، وسحبها عند الإخلال.

غير أن الواقع الميداني يكشف غياب شبه كلي للمراقبة اليومية، وتحول السلطة التنظيمية إلى إدارة صامتة تشتغل بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق.

حلول ممكنة خارج منطق الحملات

استعادة الرصيف تبدأ بترخيص مضبوط لا يقبل التأويل، وبمراقبة يومية لا موسمية، وبسحب فوري للرخص عند الإخلال. كما تقتضي تهيئة بدائل حقيقية من أسواق القرب ونقط بيع منظمة، وتشجيع التجار الملتزمين بدل معاقبتهم ضمنيًا. التواصل الصريح مع المهنيين والمواطنين ضروري لتثبيت قاعدة بسيطة لا لبس فيها مفادها أن الرصيف ليس مجالًا للتفاوض.

ما يحدث في الأرصفة اختبار حقيقي لهيبة القانون وعدالة التدبير المحلي، وحماية الملك العمومي ليست حرب على لقمة العيش، بل دفاع عن حق جماعي في مدينة تحترم ساكنتها، إذ حين يُستعاد الرصيف، تُستعاد معه فكرة النظام والإنصاف، وحين يُترك مُصادَرًا، يصادَر حق  المدينة خطوة خطوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى