
بين الزميل والوزير: وهبي وقانون المحاماة
لم يكن عبد اللطيف وهبي، المحامي اليساري السابق الذي راكم سنوات من الترافع في قضايا سياسية وحقوقية شائكة، من بينها ملفات اعتقال سياسي والمعتقلين الإسلاميين، يتوقع أن يتحول يوما إلى أحد أكثر وزراء العدل إثارة للجدل داخل الجسم المهني الذي انتمى إليه لعقود، فالرجل الذي دافع عن حرية التعبير وحقوق المتابعين في قضايا الرأي، يجد نفسه اليوم في مواجهة مفتوحة مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب بسبب مشروع قانون مهنة المحاماة، وما رافقه من إجراءات اعتبرها المحامون “فوقية” وتمس جوهر استقلال المهنة.
الصراع القائم لا يختزل في نص قانوني أو اختلاف تقني حول بعض المواد، بل يعكس، في العمق، تحولا واضحا في موقع وهبي من فاعل حقوقي داخل الحقل المدني إلى وزير يتبنى منطق الدولة البيروقراطية ومنهج الضبط الإداري في التشريع. وهو تحول يرى فيه المحامون خروجا عن “أيام العشرة” والنضال المشترك داخل صفوف اليسار، حيث كان مطلب استقلال الدفاع وتحسين شروط الترافع أحد العناوين المركزية.
فمنذ توليه وزارة العدل، مرر وهبي جملة من القرارات التي أثارت غضب المحامين، من بينها فرض الضريبة من المنبع، ورفع الرسوم والواجبات القضائية، ثم الدفع بمشروع قانون جديد للمهنة دون استحضار، حسب الهيئات المهنية، للخصوصيات التاريخية والحقوقية للمحاماة باعتبارها رسالة قبل أن تكون مهنة. واعتبر كثيرون أن هذه القرارات نُزّلت بمنطق إداري صرف، دون تقدير آثارها الاجتماعية والمهنية، أو اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية.
ويستحضر منتقدو وهبي تصريحاته السابقة التي أثارت بدورها جدلا واسعا، عندما تحدث بصراحة عن تحكم “الطبقة البورجوازية” في المخطط التشريعي، معترفا بأن القوانين في المغرب تُصاغ داخل نظام رأسمالي يخدم مصالح هذه الفئة، وبأن الترسانة القانونية ضعيفة أمام تنفيذ الأحكام الاجتماعية لصالح العمال. وهي التصريحات التي يراها المحامون اليوم متناقضة مع مسار الوزير، الذي بات، في نظرهم، يترجم عمليا نفس المنطق الذي انتقده سابقا.
في المقابل، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب رفضها الصريح للصيغة النهائية لمشروع قانون مهنة المحاماة المعروض على الحكومة، معتبرة أنه ينطوي على “مساس خطير باستقلال المهنة ومبادئها الأساسية”، ومنتقدة ما وصفته بـ”الانقلاب على المنهجية التشاركية” بعد لقاء الوساطة البرلمانية، وتجاهل كل الملاحظات والاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال جلسات الحوار.
وحملت الجمعية وزارة العدل المسؤولية الكاملة عن حالة الاحتقان التي يعيشها قطاع العدالة، بسبب التراجع عن الحوار وتهميش الهيئات المهنية، معلنة عن تنظيم ندوة صحفية لتنوير الرأي العام بخلفيات هذا الملف وتداعياته على حق الدفاع وعلى منظومة العدالة ككل.
ويؤكد المحامون، في مواقفهم المتتالية، أنهم غير معنيين بأي تشريع لا يحترم خصوصية المهنة كرافعة حقوقية أساسية، ولا يضمن وجود محاماة قوية ومستقلة قادرة على حماية حقوق المتقاضين وضمان شروط المحاكمة العادلة داخل دولة القانون.
وبين وهبي المحامي ووهبي الوزير، يتسع الشرخ داخل منظومة العدالة، ليطرح سؤالا أعمق حول حدود السلطة التنفيذية في تنظيم المهن القضائية، وحول ما إذا كان الإصلاح التشريعي يتم فعلا بمنطق التشارك والديمقراطية المهنية، أم بمنطق التدبير الإداري الذي يختزل العدالة في نصوص وإجراءات، ويغفل روحها الحقوقية والإنسانية.




