الرئسيةسياسة

إخباري تحليلي: انسحاب أخنوش…إعادة تشكيل الواجهة لا قواعد اللعبة

يشير إعلان رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، عدم الترشح لولاية ثالثة لقيادة حزبه، إلى تحولات تجري داخل المشهد السياسي المغربي قبيل الانتخابات التشريعية المنتظرة.

ورغم أن القرار قُدم في ظاهره في إطار تنظيمي داخلي صرف، فإن سياقه وتوقيته يكشفان عن ارتباطه بمجموعة من المعطيات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي تتفاعل في المرحلة الحالية.

توقيت القرار وتزامنه مع استعدادات انتخابية حساسة

يأتي قرار أخنوش في وقت تستعد فيه الأحزاب المغربية لإطلاق دينامية انتخابية مبكرة، و هذا التزامن يدفع مراقبين إلى اعتبار الخطوة جزءا من عملية إعادة ترتيب الواجهة السياسية، لاسيما أن رئيس الحكومة يقود حزبا يحتل موقع الصدارة داخل البرلمان ويمسك بمفاصل أساسية في التحالف الحكومي.

كما أن رفض تعديل النظام الداخلي للحزب لضمان ولاية ثالثة تؤكد أن الأمر يتجاوز رغبات هذا الحزب والقائمين عليه خاصة داخل الصفوف الأمامية، يتعلق الأمر بحزب معروفة ظروف ولادته، وسياقها، ومعروف أنه حزب الدولة وولد بإرادتها، وكل حديث من طرفه عن رغبة في إعطاء إشارات على نفس ديمقراطي لا تستقيم وغير مقنعة.

لنتذكر أن عزيز أخنوش لم يكن عضوا في التجمع الوطني للأحرار، وأنه جيء به، وبمجرد مجيئه تولى رئاسته، وبات زعيمه.

 مناخ اجتماعي وسياسي ضاغط

في التقدير العام، يبدو أن القرار يتقاطع مع بيئة اجتماعية متوترة عكستها الاحتجاجات التي قادتها حركة “جيل زد 212” خلال سبتمبر الماضي، والتي انطلقت على خلفية حادث طبي تراجيدي عرفته مدينة أكادير، قبل أن تتوسع إلى مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية.

إن هذه الاحتجاجات شكلت مؤشرا على تغير نمط التعبئة الاجتماعية، وتراجع دور الوساطة الحزبية والنقابية، وتزايد حساسية الرأي العام تجاه أداء الحكومة وارتباطه بشخص رئيسها، ومن هنا كانت المطالب البارزة الدعوة لرحيل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، فضلا عن مطالب أخرى جادلت في أولويات المغرب الحقيقة، وفي ترتيب حاجياته الأساسية.

ما يعني أن إعادة تشكيل الواجهة الحزبية قد تكون محاولة لاستيعاب و استباق نتائج هذا التحول الاجتماعي والسوسيولوجي خاصة وسط الشباب، وما قد يترتب عليه، ومنها الاضطرار تحت ضغط أقوى لإدخال تغييرات على الإطار السياسي العام.

تحولات مرتبطة بملف الصحراء وتفعيل الحكم الذاتي الموسع

تشير مصادر تحليلية إلى أن القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025، والذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية “الحل الأكثر جدوى”، انتصارا للمقاربة المغربية التي ترتكز على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وقد تفتح الباب لمرحلة جديدة تركز على التنمية وكسر الجمود السياسي،  يحمل تبعات استراتيجية تتطلب ترتيبات سياسية أكثر مرونة.

إن مرحلة تفعيل الحكم الذاتي الموسع تفرض، وفق تقديرات مراقبين، من جهة مؤسسات أكثر قدرة على تنفيذ برامج جهوية واسعة، و خطاب سياسي “موحد”، وواجهة حزبية لا تحمل توترات داخلية أو رمزية قد تزيد الاحتقان.

ومن هذا المنظور، قد يُفهم، على الأقل بالاستناد لهؤلاء المراقبين والمحللين، أن قرار أخنوش  هو جزء من تهيئة المناخ السياسي لمواكبة تفعيل هذا المسار دون خلق صدام سياسي أو اجتماعي، ودون التراجع على تقدير قوي وسط الدولة أن المغرب استنفد الحاجة لتغييرات تمس بجوهر الإطار السياسي والدستوري المؤطر للحقل السياسي، وليس فقط المشهد السياسي.

استمرار “الهندسة السياسية” القائمة دون تغيير في الإطار الدستوري

تفيد المعطيات السياسية المتداولة بأن الترتيبات الجارية لا تتجه نحو أي مراجعة دستورية أو تغيير في قواعد اللعبة السياسية، فالمؤشرات الظاهرة لحد الان تفيد بأن: الإطار الدستوري والمؤسساتي سيبقى كما هو، وأن الدور التنفيذي المركزي سيظل بيد المؤسسة الملكية في الملفات الاستراتيجية، وأن الحكومة والأحزاب ستواصل العمل ضمن نفس الهامش المحدد دستوريا طبعا بتأويل معين له وأيضا سياسيا.

هذا يعني أن التغيير الجاري يقتصر على مستوى الفاعلين السياسيين داخل الواجهة الحزبية، بينما تبقى بنية السلطة ومجالات القرار العليا خارج أي تعديل جوهري.

 تجربة الهيمنة الحزبية ونتائجها

من هذا المنطلق، ووفق تحليلات سياسية وإن على قلتها في المغرب، أنه و منذ انتخابات 2021، يتصدر ثلاثة أحزاب (الأحرار – الأصالة والمعاصرة – الاستقلال) مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والترابية، و أن تقييم للمرحلة يمكن قد حدث، يظهر مجموعة من التحديات: ضعف الانسجام الحكومي، بطء في تنفيذ البرامج الاجتماعية، الأهم تراجع وبشكل غير مسبوق في الثقة الشعبية في الأداء الحكومي، فضلا عن احتقان اجتماعي في عدة مدن وقرى في المغرب، مع تآكل قدرة الأحزاب على لعب دور الوساطة.

هذه المؤشرات تعزز فرضية أن النظام السياسي يميل أكثر في المنظور، إلى تعديل في الأفراد وليس في قواعد التسيير أو توزيع السلطات.

 تقديرات حول أثر القرار على الانتخابات المقبلة

إن تقديرات مراقبين تشير إلى أن استمرار أخنوش على رأس الحزب قد يؤثر سلبا في حظوظ حزبه، خاصة بعد سنوات من الانتقادات والاحتجاجات التي ربطت أدائه الحكومي بشخصه، وبالتالي فإن خطوة استبعاده قد تسهم في تخفيف الضغط على الحزب، و إعادة توزيع الأدوار داخله، وفتح المجال لوجوه جديدة استعدادا للاستحقاقات المقبلة.

غير أن هذه التعديلات لا تمس جوهر هندسة السلطة، بل تظل ضمن دائرة ضبط المشهد الانتخابي بما يضمن “الاستقرار السياسي”.

خلاصة تحليلية على سبيل الختم:

إذا من خلال كل ما ذكر، وبناء على مجمل المعطيات المتوفرة، أو المتوقعة، فإن المشهد السياسي المغربي يتجه نحو:

إعادة تشكيل الواجهة الحزبية دون المساس بالبنية العميقة للسلطة، و الإبقاء على الإطار الدستوري والمؤسساتي كما هو، مع عدم وجود مؤشرات على تعديل قريب فيهما.

بل يمكن في التقدير العام القول بأننا سنكون أمام توسيع مساحة القرار الاستراتيجي خارج دائرة التنافس الانتخابي، بما يعني استمرار نموذج الملكية التنفيذية في إدارة الملفات الكبرى، أي إجراء تغييرات في الوجوه بدل تعديل قواعد اللعبة السياسية.

وبذلك، فإن قرار أخنوش  قد يكون جزءا من دينامية إعادة ترتيب السطح السياسي لا البنية العميقة، ضمن تصور يستهدف ضبط المرحلة الانتخابية المقبلة دون إدخال المغرب في تحولات دستورية أو سياسية واسعة.

اقرأ أيضا…

اعتزال أخنوش يثير أسئلة..التامني: الرحيل لا يمحو المحاسبة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى