الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

من المستشفى إلى ذاكرة المغاربة…بلخياط رحلة صوت لا يُنسى

عاد اسم الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط إلى واجهة الاهتمام خلال الأيام الأخيرة، بعد تداول أنباء عن تعرضه لوعكة صحية في الاونة الاخيرة، استدعت نقله إلى المستشفى العسكري بالرباط، ما أثار موجة قلق واسعة بين محبيه داخل المغرب وخارجه.

ووفق مصادر طبية محلية، فإن الفنان البالغ من العمر 86 عاما تجاوز المرحلة الحرجة، لكنه ما يزال تحت مراقبة طبية دقيقة لضمان استقرار حالته الصحية، وهو خبر خفف جزئيا من توتر جمهوره الذي ظل يتابع المستجدات بالدعاء والرجاء.

هذه العودة القلقَة إلى الواجهة أعادت الضوء إلى مسيرة فنان يعد بحق أحد أهرام الأغنية المغربية وأحد أبرز الأصوات التي صنعت الهوية الموسيقية للمغرب خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

من طفولة صعبة إلى رحلات بحث عن الذات

وُلد عبد الهادي الزوكاري الإدريسي، المعروف فنيا بـ عبد الهادي بلخياط، عام 1940 بمدينة فاس، في سنة ارتبطت في الذاكرة الجماعية بـ “عام البون” بسبب المجاعة والخصاص الذي عم البلاد خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

اضطر لمغادرة مسقط رأسه مبكرا نحو الدار البيضاء بحثا عن فرص العيش، قبل أن ينتقل لاحقا إلى الرباط عام 1958، حيث اشتغل سائقا بوزارة الشباب والرياضة، لكن ميوله الفنية القوية كانت تشده إلى عالم الموسيقى، ليدفعه الشغف إلى طرق أبواب الإذاعة المغربية في الدار البيضاء، وهناك خاض أولى تجاربه التي لاقت استحسانا مفاجئا منح صوته بطاقة العبور نحو الاحتراف.

 صعود نجم في زمن الازدهار الفني

برز اسم بلخياط سريعاً في ستينيات القرن الماضي، خلال فترة تُعد من أزهى مراحل الإبداع المغربي، إذ تزامن بروزه مع أسماء وازنة في التأليف والتلحين من قبيل أحمد البيضاوي، عبد النبي الجيراري، عبد القادر الراشدي، عبد السلام عامر.

وجد في هذا الجيل دعما فنيا صقل تجربته ووسع أفقه، فغنى القصائد الفصحى والعامية المغربية، وأعاد الروح لنصوص شعرية أبدع في أدائها بصوت رخيم وثراء لغوي مميز.

صوت يجمع الرومانسية والقصيدة

تميز بلخياط بقدرته على التنقل بين الألوان الغنائية، من القصائد العربية المعاصرة إلى الأغنية المغربية الكلاسيكية. أدى نصوصا لشعراء كبار مثل نزار قباني في أعمال خالدة أبرزها “طوق الياسمين” و“الهاتف”.
كما ارتبط اسمه بأغانٍ محفورة في الذاكرة مثل: عرين الأسد، الأمس القريب، غني لي الليلة، وبسمة الأمل

ولم يكتف بالمشهد المحلي، بل خاض تجارب خارج المغرب، لا سيما في القاهرة، حيث قدم أعمالا باللهجة المصرية وشارك في أفلام غنائية واستعراضية، من بينها: سكوت.. اتجاه ممنوع (1973)، و دنيا غرامي (لبنان)، و أين تخبئون الشمس (1979)

تجربة سينمائية ولمسات لحنية خاصة

إضافةً إلى صوته القوي والمتمكن، خاض بلخياط تجارب في التلحين، ووقّع ألحاناً لعدد من قصائده، ما منح أعماله هوية خاصة تجمع بين الحس الروحي والعمق العاطفي.

 اعتزال هادئ ثم عودة قصيرة

في عام 2012، اتخذ بلخياط قرارا مفاجئا باعتزال الغناء وتوجيه حياته نحو التدين والهدوء الروحي، بعد سنوات من الانضمام إلى جماعة الدعوة والتبليغ.

بدا القرار نهائيا، لكن الفنان عاد إلى جمهوره سنة 2015 عبر مهرجان موازين، حيث قدم أعمالا دينية وإنشادية مثل “جيال زايرين سيدنا النبي” و“سيد الناس”، حيث كانت تلك الإطلالة بمثابة وداع فني جميل، حافل بالحنين دون أن يشبه العودة الكاملة إلى الأضواء.

بورتريه “هرم الأغنية”

إن الحديث عن عبد الهادي بلخياط ليس مجرد استرجاع لسيرة فنان، بل استعادة لجزء من الذاكرة الوجدانية للمغرب. صوت شجي حمل القصيدة إلى بيوت الناس، واسم ظل ثابتا رغم تغير الأزمنة والأنماط الموسيقية.


ومع الوعكة الصحية الأخيرة، بدا أن المغاربة لا يقلقون على صحة فنان فقط، بل على رمز ثقافي شكل جزءا من وجدانهم الجمعي لأكثر من نصف قرن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى