
في كل موسم مطري قوي، يعود وادي غدات بإقليم الحوز إلى واجهة النقاش المحلي، ليس باعتباره مجرد مجرى مائي موسمي، بل كمعطى طبيعي يتحول إلى تهديد مباشر لأراضي الفلاحين وطرق الدواوير واستقرار الساكنة.
ومع التساقطات الأخيرة، ارتفعت حمولة الوادي بشكل قياسي، مخلفة فيضانات ألحقت خسائر بمحاصيل زراعية وأغرقت مسالك قروية، وعزلت دواوير بأكملها عن محيطها.
فيضانات متكررة… وخسائر صامتة
ساكنة جماعات محلية بالحوز تؤكد أن المشهد يتكرر كل سنة تقريبا أمطار غزيرة، اضافة الى ارتفاع مفاجئ في منسوب المياه، ثم أضرار مادية تطال الحقول والطرق والبنيات الهشة، الفلاحون الصغار هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ تتعرض محاصيلهم للتلف دون تعويضات كافية أو حلول وقائية مستدامة.
كما أن تضرر المسالك الطرقية الرابطة بين الدواوير، خاصة بالمناطق الجبلية المجاورة لـسيدي رحال، يفاقم العزلة ويعطل الولوج إلى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وتموين.
مطلب بناء سد… من الحماية إلى الاستثمار
فعاليات محلية تعتبر أن غياب منشأة مائية لتنظيم جريان وادي غدات هو جوهر الإشكال.
وتدعو إلى تشييد سد متوسط أو صغير الحجم يمكن من حماية الساكنة من أخطار الفيضانات عبر التحكم في الذروة المائية
تخزين المياه بدل ضياعها في المصب، ودعم التزود بالماء الصالح للشرب في الجماعات المجاورة، و توفير مياه السقي لفائدة الفلاحين، مع إمكانية استغلاله في إنتاج طاقة كهرومائية صغرى.
ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى السد كحل ظرفي، بل كبنية تحتية اقتصادية قادرة على إحداث دينامية تنموية في منطقة تعاني من هشاشة مجالية واضحة.
بين الأولوية التقنية والجدوى البيئية
غير أن تشييد سد جديد يظل رهينا بدراسات تقنية دقيقة تشرف عليها مصالح وزارة التجهيز والماء، لتحديد الموقع الأمثل، وتقييم الأثر البيئي، وضبط الكلفة المالية، ومدى اندماجه في الاستراتيجية الوطنية لتعبئة الموارد المائية.
المنطقة تقع ضمن حوض مائي يعرف تقلبات مناخية حادة، ما يفرض مقاربة شمولية لا تقتصر على بناء السدود فقط، بل تشمل تهيئة المجاري، وتقوية الحواجز الوقائية، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي للحد من انجراف التربة وتسارع الجريان السطحي.
سؤال العدالة المجالية
ملف وادي غدات يعيد إلى الواجهة إشكالية العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات العمومية، فبين مشاريع كبرى تُنجز في أحواض استراتيجية، تظل بعض المناطق الجبلية في انتظار تدخلات هيكلية تضمن لها الحد الأدنى من الأمان المائي.
الساكنة اليوم لا تطالب فقط بحماية من الفيضانات، بل برؤية تنموية تجعل من المورد المائي فرصة بدل أن يظل تهديد موسمي في انتظار إطلاق الدراسات الميدانية، ويبقى السؤال هل يتحول وادي غدات إلى سدّ للحياة أم يظل مجرى للقلق المتجدد كلما هطلت الأمطار؟




