
لماذا يرى نجيب أقصبي أن المشكلة أعمق من الفقر؟
ليس الفقر، في نظر الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي، هو أخطر ما يواجه المغرب اليوم، بل اتساع الهوة بين من يملكون أكثر فأكثر، ومن لا يحصلون إلا على نصيب متواضع من ثمار النمو، فحين ترتفع المؤشرات الاقتصادية دون أن ينعكس ذلك على توزيع الثروة، وحين تتراكم الأرباح في جهة بينما تتسع دائرة الهشاشة في جهات أخرى، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم ننتج؟ وإنما: لمن تذهب الثروة التي ننتجها؟
من هذا المنطلق، يعتبر أقصبي أن اللامساواة ليست نتيجة جانبية للنموذج الاقتصادي، بل إحدى النتائج الطبيعية للكيفية التي تُنتج بها الثروة وتُوزع داخل المجتمع، لذلك، فإن أي حديث عن التنمية، في غياب نقاش حول العدالة الاجتماعية، يظل ناقصاً، لأن المشكلة لا تكمن فقط في ضعف النمو، بل أيضاً في طريقة اقتسام عائداته.
اقرأ أيضا…
اللامساواة… حين تصبح جزءاً من النموذج
لا يقدم أقصبي اللامساواة باعتبارها خللاً طارئاً يمكن معالجته ببعض البرامج الاجتماعية، بل يربطها بالبنية العميقة للنظام الاقتصادي نفسه، فمنطق الاقتصاد الرأسمالي، كما يوضح، يقوم بطبيعته على المنافسة وتراكم رأس المال، وهو ما يؤدي، إذا غابت آليات التصحيح، إلى تركيز الثروة والسلطة الاقتصادية في أيدي فئات محدودة.
وتؤكد المؤشرات الوطنية والدولية أن المغرب لا يزال من بين البلدان التي تعرف تفاوتات اجتماعية ومجالية واضحة، سواء على مستوى توزيع الدخل أو الولوج إلى الخدمات الأساسية أو فرص الشغل، ورغم تعاقب برامج التنمية والإصلاحات الاقتصادية، ما تزال هذه الفوارق تتخذ أشكالاً جديدة، بدل أن تتراجع.
الفوارق… ليست مسألة دخل فقط
يرفض أقصبي اختزال اللامساواة في الفوارق المالية وحدها، فالمغربي لا يعيش التفاوت فقط في راتبه أو دخله، وإنما أيضاً في المدرسة التي يدرس فيها، والمستشفى الذي يتعالج فيه، والطريق التي يستعملها، وفرص الشغل المتاحة له، وحتى في الجهة التي وُلد فيها.
فالهوة بين العالمين الحضري والقروي، وبين الجهات الساحلية والمناطق الداخلية، وبين التعليم العمومي والخاص، وبين الولوج إلى الخدمات الصحية في المدن الكبرى والمناطق النائية، كلها، في نظره، تعبيرات مختلفة عن المشكلة نفسها.
لهذا، فإن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد رفع المداخيل، وإنما بتقليص الفوارق في الفرص والحقوق والخدمات، لأن التنمية التي تترك جزءاً من المجتمع خارجها تتحول تدريجياً إلى عامل لإعادة إنتاج التفاوت بدل الحد منه.
أين يبدأ توزيع الثروة؟
يؤكد أقصبي أن النقاش حول العدالة الاجتماعية غالباً ما يركز على إعادة توزيع الثروة بعد إنتاجها، بينما يتجاهل السؤال الأهم: كيف تُوزع هذه الثروة منذ البداية؟
هنا يميز بين ما يسميه “التوزيع الأولي” و”إعادة التوزيع”.. فالتوزيع الأولي يتعلق بالطريقة التي تتقاسم بها عوامل الإنتاج، وعلى رأسها العمل ورأس المال، القيمة المضافة التي يخلقها الاقتصاد.
وبالنسبة إليه، فإن اختلال هذا التوازن هو أصل المشكلة، فإذا كانت حصة الأرباح تتزايد باستمرار على حساب الأجور، فإن اللامساواة تتعمق قبل أن تتدخل الدولة أصلاً، لذلك فإن العدالة لا تبدأ بعد جمع الضرائب، وإنما داخل المقاولة نفسها، وفي سوق الشغل، وفي طبيعة العلاقة بين العامل ورأس المال.
لماذا لا تنجح المالية العمومية في تصحيح الاختلالات؟
بعد مرحلة الإنتاج، يفترض أن تتدخل الدولة عبر الضرائب والميزانية العمومية لتقليص الفوارق الاجتماعية، غير أن أقصبي يرى أن هذا الدور لا يزال محدوداً، لأن أدوات إعادة التوزيع نفسها تعاني من اختلالات بنيوية.
فالسياسة الجبائية، في نظره، لا ينبغي أن تقتصر على تمويل نفقات الدولة، بل يجب أن تكون وسيلة لتحقيق قدر أكبر من العدالة بين الفئات الاجتماعية.. كما أن الإنفاق العمومي لا يقاس بحجمه فقط، وإنما بقدرته على تحسين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق بين المجالات.
ومن هنا يربط أقصبي بين فكرة “الدولة الاجتماعية” وبين فعالية المالية العمومية، معتبراً أن نجاحها لا يقاس بعدد البرامج المعلنة، بل بمدى قدرتها على إعادة توزيع الثروة بشكل أكثر إنصافاً.
العدالة الاجتماعية… شرط للاستقرار لا ترف سياسي
لا ينظر أقصبي إلى العدالة الاجتماعية باعتبارها مطلباً أخلاقياً فقط، بل يعتبرها ضرورة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، فالمجتمعات التي تتسع فيها الفوارق بشكل مستمر تصبح أكثر عرضة لضعف الطلب الداخلي، وتراجع الثقة، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي، وهو ما ينعكس في النهاية على الاستثمار والاستقرار.
ولهذا، فإن مواجهة اللامساواة ليست سياسة اجتماعية معزولة، بل جزء من أي مشروع تنموي يريد أن يكون مستداماً، فكل اقتصاد يعجز عن إشراك أغلبية المواطنين في ثمار النمو، يحمل في داخله عوامل هشاشته.
وفي هذا السياق يخلص نجيب أقصبي إلى أن معركة التنمية في المغرب لا تُحسم فقط داخل المصانع أو في نسب النمو، وإنما أيضاً في كيفية توزيع الثروة والفرص بين المواطنين، فالنمو الاقتصادي قد يرفع الناتج الداخلي الخام، لكنه لن يصنع مجتمعاً أكثر تماسكاً إذا ظل يترك الفوارق تتسع عاماً بعد آخر، لذلك، فإن العدالة الاجتماعية ليست نتيجة للتنمية، بل أحد شروطها الأساسية، وبدونها يبقى النمو رقماً اقتصادياً أكثر منه مشروعاً مجتمعياً.
حين تبقى الأسئلة أكبر من أصحابها
اختتم نجيب أقصبي كلمته برسالة حملت بعدًا إنسانيًا وفلسفيًا يتجاوز الاقتصاد والسياسة، فالمناسبة التي جمعت عددًا من الباحثين للاحتفاء بمساره العلمي، لم ينظر إليها باعتبارها تكريمًا لشخصه، بل مسؤولية تدفعه إلى التأكيد أن قيمة الباحث لا تقاس بعدد مؤلفاته أو سنوات تدريسه، وإنما بقدرته على ترك أسئلة تستمر بعده.. لذلك، لم يقدم اقصبي خلاصات نهائية بقدر ما ترك أسئلة مفتوحة أمام الباحثين وصناع القرار والأجيال الصاعدة: كيف نبني تنمية أكثر عدلًا؟ كيف نصون السيادة دون انغلاق؟ وكيف تتحول الثروة إلى حق يستفيد منه الجميع لا امتيازًا تحتكره فئات محدودة؟ إنها أسئلة لا تخص الاقتصاديين وحدهم، بل تحدد ملامح المغرب الذي يريده المغاربة في العقود المقبلة.




