الرئسيةسياسة

جفاف واستغلال: المرأة أول ضحايا النموذج الزراعي بسوس

أعاد المغرب تشكيل خريطته الفلاحية وفق منطق السوق الدولية، حيث أصبحت الزراعة التصديرية إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، وفي قلب هذا التحول تقف جهة سوس–ماسة، التي تحولت تدريجيًا إلى ما يشبه مصنعًا زراعيًا هائلًا مغطى ببيوت بلاستيكية تمتد لمساحات فلاحية في الجهة تتجاوز على حوالي 616 ألف هكتار، بينما لا تتجاوز الأراضي المسقية نحو 30٪ رغم الطبيعة شبه الجافة للمنطقة، ومع ذلك، تنتج هذه الجهة ما يقارب 75٪ من البواكر المغربية و95٪ من الصادرات الفلاحية المبكرة الموجهة أساسًا إلى الأسواق الأوروبية، وفق معطيات رسمية.

غير أن هذه الأرقام اللامعة تخفي خلفها واقعًا اجتماعيًا قاسيًا، حيث تقف آلاف النساء في صمت داخل الحقول، يشغلن مواقع العمل الأكثر هشاشة داخل سلسلة إنتاج تحقق أرباحًا كبيرة في الخارج.

اليد العاملة النسائية… عمود غير مرئي للإنتاج

تشكل النساء العمود الفقري للعمالة الزراعية في المنطقة، فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، يعمل نحو 46.9٪ من النساء النشيطات مهنيًا في القطاع الفلاحي، ما يجعل الزراعة أكبر مشغل للنساء في المغرب، غير أن هذا الحضور الكثيف لا يعني بالضرورة حماية أو استقرارًا، بل يعكس في كثير من الأحيان موقعًا هشًا داخل سوق الشغل، فاختيار النساء للعمل في الضيعات ليس محض صدفة، بل يرتبط بفكرة متجذرة لدى المشغلين حيث تعتبر المرأة أكثر قابلية للطاعة وأقل ميلاً للاحتجاج، وهكذا تتحول الحاجة الاقتصادية الملحة لدى النساء، خصوصًا المعيلات لأسرهن، إلى مدخل لإدماجهن في منظومة إنتاج تقوم على الأجور المتدنية والعمل غير المهيكل.

يوم عمل طويل بين الحرارة والمبيدات

تبدأ رحلة العمل قبل بزوغ الفجر، حيث تتجمع العاملات في نقاط انتظار قروية قبل أن تُنقل أعداد كبيرة منهن في سيارات نقل غير مهيأة، وبعد الوصول إلى الضيعات تبدأ ساعات طويلة من العمل داخل البيوت البلاستيكية التي ترتفع فيها درجات الحرارة بشكل خانق.. في هذه الفضاءات المغلقة تختلط رائحة الأسمدة بالمبيدات، بينما تظل وسائل الوقاية شبه غائبة، في حين يمتد العمل غالبًا بين 10 و 14 ساعة يوميًا، تتخلله عمليات القطف والفرز والتعبئة بوتيرة سريعة تفرضها مراقبة الوسطاء، ورغم هذا الجهد المضني، لا يتجاوز الأجر في كثير من الحالات ما بين 50 و80 درهمًا يوميًا، وهو مبلغ لا يواكب حتى الحد الأدنى للأجر ولا يعكس المخاطر الصحية التي تتعرض لها العاملات.

صحة منهكة وصمت مفروض

تشير تقارير دولية إلى أن العاملات الزراعيات اللواتي يتعاملن مع المواد الكيماوية معرضات بنسبة مرتفعة للإصابة بأمراض عصبية وقلبية وأمراض السرطان قد تصل إلى 89٪ في بعض الحالات.. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في المخاطر الصحية، بل في غياب الاعتراف بها أصلًا، فمعظم النساء يشتغلن دون عقود عمل أو تسجيل في أنظمة الحماية الاجتماعية، ما يعني غياب التغطية الصحية والتعويض عن الحوادث، وهكذا يتحول المرض إلى عبء فردي تتحمله العاملة وحدها، بينما تستمر عجلة الإنتاج دون توقف، في مفارقة قاسية تجعل الجسد البشري مجرد أداة مؤقتة داخل اقتصاد زراعي مزدهر.

مفارقة الماء والربح في زمن الجفاف

في الوقت نفسه، تعيش جهة سوس–ماسة أزمة مائية متفاقمة نتيجة توالي سنوات الجفاف واستنزاف الموارد المائية، فالفلاحة التصديرية، التي تعتمد على الري المكثف، تضغط بشدة على الفرشات المائية في منطقة تعاني أصلًا من ندرة المياه، ومع تقليص المساحات المزروعة في بعض المواسم بسبب شح المياه، تصبح العاملات أول من يدفع الثمن عبر تقليص أيام العمل أو الاستغناء عنهن بالكامل، وهكذا تتقاطع أزمة المناخ مع اختيارات اقتصادية موجهة نحو التصدير لتخلق وضعًا اجتماعيًا هشًا، تجد فيه النساء أنفسهن بين مطرقة الحاجة اليومية إلى العمل وسندان نموذج فلاحي يضع الربح في مقدمة الأولويات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى