
يقف القانون رقم 71-09 الصادر سنة 1971 في قلب المنظومة القانونية المُنظمة للقطاعات الاستراتيجية بالمغرب كالأدوية و الحبوب و المحروقات.. ،
وينص هذا القانون بشكل صريح على أن هذه شركات مُلزَمة بتوفير مخزون احتياطي يعادل 60 يوماً من الاستهلاك، وهو إجراء ليس تقنياً فقط بل استراتيجي يهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني من اضطرابات الأسواق العالمية، سواء كانت نتيجة أزمات جيوسياسية أو اختلالات في سلاسل الإمداد.
غير أن الواقع، كما تكشفه المعطيات المتداولة داخل القطاع، يبدو أقل صلابة من النص القانوني.
مضيق هرمز… عندما تتحول الجغرافيا إلى أزمة طاقة
يعتمد المغرب بشكل شبه كلي على استيراد المحروقات، إذ تتجاوز نسبة الاعتماد على الخارج %90 من الحاجيات الطاقية، وفق تقارير رسمية لقطاع الطاقة، وفي مثل هذا السياق، تصبح أي أزمة جيوسياسية في الممرات البحرية العالمية، مثل احتمال “إغلاق مضيق هرمز“، تهديداً مباشراً لأمن الطاقة في البلاد.. حيث يمر عبر هذا المضيق حوالي %20 من تجارة النفط العالمية وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما يجعله شرياناً حيوياً للأسواق الدولية..
لكن من الناحية القانونية، لا ينبغي أن ينعكس هذا الاضطراب فوراً على المستهلك المغربي، فوجود مخزون احتياطي لمدة “60 يوماً” يفترض أن يمنح السوق الوطنية هامشاً زمنياً كافياً لامتصاص الصدمة دون نقلها مباشرة إلى جيوب المواطنين.
بعبارة أخرى، إذا ارتفع سعر البرميل عالمياً نتيجة أزمة مفاجئة، يفترض أن تستمر الشركات في بيع المحروقات بالسعر السابق طوال مدة المخزون الاحتياطي.
حين يصطدم النص القانوني بواقع السوق
فالواقع يكشف عن فجوة مقلقة في المخزون الاحتياطي لبعض الشركات، و الذي لا يتجاوز أحياناً 30 يوماً من الغازوال أي نصف الحد القانوني المفروض، ،وفق المعطيات المتداولة في القطاع،
وهنا يتحول السؤال من تقني إلى سياسي واقتصادي: من يراقب فعلياً احترام هذا الالتزام؟ وهل تحولت قاعدة الستين يوماً إلى مجرد بند قانوني يزين النصوص دون أن يفرض نفسه في الواقع؟
عقوبات على الورق… وسوق بلا مراقبة ومحاسبة
في ذات السياق، ينص القانون رقم 255-72-1 الصادر سنة 1973 على عقوبات في حال عدم احترام المخزون الاحتياطي.. إذ يمكن للدولة تغريم الشركات “خمسة دراهم عن كل متر مكعب” من الكمية الناقصة لتغطية احتياطي 60 يوماً، مضروبة في عدد الأيام التي استمر فيها هذا العجز، ابتداءً من تاريخ المعاينة من طرف السلطات المختصة، وعلى رأسها “وزارة الانتقال الطاقي”.
لكن الواقع غالباً ما يسير في اتجاه معاكس. فارتفاع الأسعار في المضخات يحدث أحياناً بسرعة لافتة، أسرع من سرعة الأخبار نفسها، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان المخزون الاحتياطي موجوداً أصلاً أو محترماً وفق القانون.
المفارقة الكبرى: تضارب المصالح في أعلى مستويات السلطة
هنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة.. رئيس الحكومة، والذي يفترض فيه الحفاظ على تطبيق القانون وحماية أمن السوق الوطني، هو نفسه المستثمر الاول والفاعل الرئيسي في قطاع المحروقات.. هذا التضارب الواضح بين دوره السياسي والتجاري يطرح أسئلة جدية عن قدرة الدولة على فرض احترام القوانين عندما تتقاطع المصالح الخاصة مع المصلحة العامة.
حين يدفع المواطن فاتورة التقصير
في بلد يتوفر على قوانين واضحة لحماية الأمن الطاقي، يتحول المواطن في النهاية إلى صمام الأمان الوحيد… يدفع الفاتورة بصمت كلما اشتعلت الأسواق العالمية.. ليتحول الطرح إلى سياسي بقدر ما هو اقتصادي: هل يُدار أمن الطاقة في المغرب بمنطق المصلحة العامة، أم بمنطق السوق الذي يعرف دائماً كيف يربح حتى في أوقات الأزمات؟





