
في وقت تسعى فيه وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى الدفع بمشروع التحول الرقمي داخل قطاع الصناعة التقليدية، عاد الجدل إلى الواجهة بعد توقيع اتفاقية جديدة تروم رقمنة الغرف المهنية والسجل الوطني للصناع التقليديين. غير أن هذا التوجه، الذي تقدمه الحكومة باعتباره خطوة نحو تحديث القطاع، أثار تساؤلات واسعة في صفوف الصناع والحرفيين حول جدواه الفعلية في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها القطاع منذ سنوات.
ويرى عدد من المهنيين أن توقيع لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لاتفاقية تهدف إلى رقمنة المعطيات المهنية وإطلاق منصات رقمية، يأتي في سياق بعيد عن الأولويات الحقيقية التي يطالب بها آلاف الصناع التقليديين عبر مختلف مناطق المغرب.
أزمات متراكمة تثقل كاهل الحرفيين
ويؤكد فاعلون في القطاع أن الإشكالات التي يعيشها الصناع التقليديون لا تتعلق أساساً بغياب الرقمنة أو المنصات الإلكترونية، بقدر ما ترتبط بتحديات يومية أكثر إلحاحاً، في مقدمتها الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية، وتزايد تكاليف الإنتاج، إضافة إلى ضعف قنوات التسويق.
كما يعاني العديد من الحرفيين، خصوصاً في المدن الصغيرة والمناطق غير السياحية، من عزلة اقتصادية خانقة، حيث تظل منتجاتهم حبيسة الورشات والأسواق المحلية المحدودة، في ظل غياب آليات فعالة لربط الصناعة التقليدية بالقطاع السياحي، الذي يشكل أحد أهم منافذ التسويق بالنسبة للمنتجات الحرفية المغربية.
ويضيف مهنيون أن هذه الصعوبات تزداد تعقيداً مع المنافسة المتصاعدة للمنتجات المستوردة، خصوصاً الصينية، التي أصبحت تغزو الأسواق الوطنية بأسعار منخفضة، ما يضع الصناع التقليديين أمام تحدٍ حقيقي للحفاظ على استمرارية أنشطتهم.
رقمنة بلا أثر مباشر على الواقع
في هذا السياق، يرى عدد من الصناع أن المنصات الرقمية أو البطاقة المهنية الإلكترونية، رغم أهميتها من الناحية الإدارية، لن تكون قادرة لوحدها على حل المشاكل البنيوية التي يعاني منها القطاع.
ويشير هؤلاء إلى أن العديد من التعاونيات والورشات الصغيرة تواجه اليوم مخاطر حقيقية مرتبطة بالإفلاس، نتيجة ضعف المبيعات وارتفاع التكاليف، الأمر الذي يجعل الأولوية، في نظرهم، موجهة نحو توفير دعم مباشر للصناع التقليديين، ومساعدتهم على تحمل أعباء الإنتاج والتسويق.
كما يطالب مهنيون بإطلاق برامج فعلية لمواكبة الحرفيين، عبر دعم المواد الأولية، وتوفير فضاءات عرض وتسويق داخل المدن السياحية، وفتح قنوات للترويج لمنتجات الصناعة التقليدية داخل الفنادق والمنتجعات السياحية.
قطاع يحتاج إلى إنقاذ قبل رقمنته
ويرى متابعون أن التحول الرقمي قد يشكل خطوة مهمة في مسار تحديث الإدارة المرتبطة بالقطاع، غير أن نجاحه يبقى رهيناً بمدى قدرته على مواكبة الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الصناع التقليديون على أرض الواقع.
فبالنسبة لآلاف الحرفيين، لا يكفي الحديث عن الرقمنة أو إطلاق منصات إلكترونية، بقدر ما يحتاج القطاع إلى رؤية متكاملة تعيد الاعتبار للصناعة التقليدية باعتبارها رافعة اقتصادية وثقافية، وقادرة على خلق فرص الشغل والحفاظ على التراث الحرفي المغربي.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى السؤال مطروحاً داخل أوساط المهنيين: هل تشكل الرقمنة فعلاً مدخلاً لإنقاذ القطاع، أم أنها مجرد خطوة إدارية لا تمس جوهر الأزمة التي يعيشها الصناع التقليديون؟





