يواصل قطاع السياحة في المغرب تسجيل أرقام قياسية تُسابق الزمن وتتجاوز حتى التوقعات الرسمية نفسها.. فقبل حلول أفق 2026، استطاع القطاع أن يحقق ما كان يُفترض أن يكون هدفًا مستقبليًا، سواء على مستوى عدد الوافدين أو حجم العائدات أو حتى فرص الشغل، ما يضعه في صدارة النقاش الاقتصادي كأحد أبرز أعمدة النمو.
السياحة
طفرة في التشغيل… أرقام تُغري وأسئلة تُقلق
تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن القطاع وفر حوالي 894 ألف منصب شغل مباشر سنة 2025، مقارنة بـ802 ألف منصب سنة 2022، أي بزيادة تناهز 92 ألف وظيفة خلال ثلاث سنوات، متجاوزًا بذلك الهدف الحكومي المحدد في 80 ألف منصب إضافي في أفق 2026، غير أن هذا التقدم العددي يخفي خلفه سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بجودة هذه الوظائف واستقرارها، في قطاع لا يزال موسميًا في جزء كبير منه، حيث تتحول بعض فرص الشغل إلى مجرد أرقام جميلة في التقارير، لكنها هشة على أرض الواقع.
20 مليون سائح… انتعاش أم سباق محموم؟
لم يتوقف الزخم عند التشغيل، بل امتد إلى تدفقات السياح، حيث بلغ عدد الوافدين حوالي 20 مليون سائح سنة 2025، متجاوزًا بكثير الهدف المحدد في 17.5 مليون سائح، يعكس هذا الرقم الجاذبية المتزايدة للوجهة المغربية في سوق دولي شديد التنافس، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط. غير أن هذا “الانتصار العددي” يطرح بدوره إشكالية الاستدامة، إذ إن التركيز على الكم قد يأتي على حساب جودة التجربة السياحية، في ظل ضغط متزايد على البنيات التحتية والخدمات.
138 مليار درهم… عملة صعبة أم اقتصاد سهل؟
على مستوى العائدات، سجلت السياحة رقمًا قياسيًا بلغ 138 مليار درهم من العملة الصعبة خلال 2025، متجاوزة الهدف المسطر لسنة 2026 بحوالي 18 مليار درهم.. وبذلك تعزز موقعها إلى جانب تحويلات مغاربة العالم والاستثمارات الأجنبية كمصدر رئيسي للعملة الصعبة، غير أن هذا الاعتماد المتزايد يطرح إشكالية هيكلية، تتعلق بمدى تنوع الاقتصاد الوطني، إذ يصبح أكثر عرضة لتقلبات الطلب الدولي والأزمات الخارجية.
استثمارات فندقية كبرى… سباق نحو الأسرّة أم نحو القيمة؟
في خلفية هذه الدينامية، يشهد القطاع طفرة استثمارية لافتة، حيث يحتل المغرب المرتبة الثانية إفريقيًا بـ75 مشروعًا فندقيًا قيد التطوير بطاقة تفوق 10.600 غرفة، ضمن خط أنابيب قاري يتجاوز 123 ألف غرفة، هذا التوسع يعكس ثقة المستثمرين الدوليين، لكنه يطرح تحديًا حقيقيًا حول طبيعة النمو: هل يتعلق الأمر فقط بزيادة الطاقة الإيوائية، أم ببناء عرض سياحي متكامل قادر على رفع القيمة المضافة لكل سائح؟
بين طموح 2030 واختبار الواقع
في ظل هذا الزخم، تبدو الاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، بمثابة اختبار حاسم لقدرة المغرب على تحويل الطفرة السياحية إلى رافعة تنموية مستدامة، فالتحدي لم يعد في جلب المزيد من السياح، بل في توزيع العائدات بشكل عادل بين الجهات، وتحسين جودة الخدمات، والانتقال من سياحة الأعداد إلى سياحة القيمة.. وبين أرقام تُبهر وتقارير تُطمئن، يبقى السؤال معلقًا: هل ينجح المغرب في تحويل هذا التألق السياحي إلى قصة تنمية متوازنة، أم يظل مجرد بريق موسمي في اقتصاد يبحث عن عمق؟