
تحرير : جيهان مشكور
لم يعد مشهد الحقول في المغرب كما كان قبل سنوات، فالتقلبات المناخية المتتالية أعادت رسم خريطة الإنتاج الزراعي بشكل قاسٍ، حيث بات الجفاف فاعلاً اقتصادياً غير معلن يحدد من يزرع ومن يستورد.. وفي هذا السياق، تصدّر المغرب قائمة مستوردي القمح الطري من الاتحاد الأوروبي خلال الموسم الحالي، في مؤشر واضح على عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الفلاحي، فقد كشفت بيانات المفوضية الأوروبية أن واردات المغرب تجاوزت 2.63 مليون طن إلى حدود منتصف مارس 2026، مقابل 1.93 مليون طن فقط خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وهو ارتفاع لا يعكس مجرد طلب ظرفي، بل يعبر عن تحول بنيوي في توازن العرض والطلب.
أرقام تكشف هشاشة السيادة الغذائية
حين تقف الأرقام مجردة، تبدو كأنها جافة، لكنها في الحقيقة تحمل قصة كاملة عن اختلالات عميقة، فارتفاع واردات القمح بهذا الشكل يعني أن الإنتاج الوطني لم يعد قادراً على تغطية الحاجيات الأساسية، خاصة وأن الحبوب تمثل عماد الاستهلاك الغذائي للأسر المغربية، وفي المقابل، بلغت صادرات القمح الأوروبية حوالي 16.77 مليون طن منذ يوليو الماضي، بزيادة تناهز 8%، ما يكشف عن مفارقة لافتة: أوروبا تعزز فائضها التصديري بينما يعمق المغرب عجزه الغذائي وتبرز فرنسا ورومانيا كمصدرين رئيسيين، في علاقة تجارية تتسع بقدر ما تتقلص المساحات المزروعة محلياً.
اقتصاد الاستيراد… حين يصبح الحل جزءاً من المشكلة
الاعتماد المتزايد على الأسواق الخارجية لا يمر دون تكلفة، ففاتورة الاستيراد تثقل الميزان التجاري وتزيد من الضغط على العملة الصعبة، وتشير تقديرات مهنية إلى أن واردات الحبوب تكلف المغرب سنوياً مليارات الدراهم خصوصا مع ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب بنسبة تراوحت بين 10% و20% خلال العام الأخير، لتصبح الفاتورة أكثر إيلام ، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من تحديات متعددة، من بطالة مرتفعة إلى تباطؤ النمو في القطاعات الإنتاجية.. وبينما يبدو الاستيراد حلاً سريعاً لتأمين السوق، فإنه في العمق يرسخ هشاشة بنيوية، تجعل البلاد رهينة لتقلبات الأسعار الدولية وسلاسل الإمداد.
اجتماعياً… الخبز ليس مجرد غذاء
في المغرب، لا يُقاس القمح فقط بالأطنان، بل يُقاس بالاستقرار الاجتماعي أيضاً، فالخبز، الذي يمثل جزءاً أساسياً من النظام الغذائي، يرتبط بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للمواطنين، وأي اضطراب في توفره أو ارتفاع في أسعاره قد يفتح الباب أمام توترات اجتماعية، خاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، وهنا تتحول أزمة القمح من ملف اقتصادي إلى قضية اجتماعية حساسة، تتطلب توازناً دقيقاً بين الدعم الحكومي واستدامة المالية العمومية.
بين السياسات الفلاحية وواقع المناخ
رغم الاستراتيجيات الزراعية التي راهنت على تحديث القطاع وتحسين مردوديته، إلا أن الواقع المناخي فرض منطقه الخاص، فسنوات الجفاف المتتالية قلّصت الإنتاج، وأعادت طرح أسئلة قديمة حول نجاعة السياسات الفلاحية وقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية، وبين طموح تحقيق السيادة الغذائية وإكراهات الطبيعة، يجد المغرب نفسه في مفترق طرق، حيث لم يعد ممكناً تأجيل الإصلاحات الهيكلية أو الاكتفاء بحلول ظرفية.
مفارقة الوفرة والعجز
في عالم تتزايد فيه المخاطر المناخية وتتقلب فيه الأسواق، تبدو مفارقة المغرب صارخة: بلد فلاحي تاريخياً يتحول تدريجياً إلى زبون دائم في سوق الحبوب الدولية، وبين وفرة الإنتاج الأوروبي وعجز الحقول المحلية، تتشكل معادلة جديدة، عنوانها أن الأمن الغذائي لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية تفرض إعادة التفكير في كل شيء، من طريقة الزراعة إلى فلسفة الاستهلاك.





