الرئسيةدابا tvذاكرةسياسةشواهد على التاريخ

بورتريه بن بركة.. من يعيد للغائب قبره؟+فيديوهات

من فتى رباطي شغوف بالعلم إلى أحد أبرز وجوه اليسار المغربي والأممية المناهضة للاستعمار؛ سيرة رجل لم يتسع له وطنه وحده، فحمل انشغالاته إلى العالم، قبل أن يختفي في باريس خريف 1965، تاركاً وراءه سؤالا مفتوحا وذاكرة لا تهدأ.

في مثل هذا اليوم، قبل واحد وستين عاما، اختفى المهدي بن بركة، المناضل الوطني واليساري والأممي، في واحدة من أكثر القضايا السياسية غموضا في تاريخ المغرب المعاصر. كان ذلك في باريس، يوم 29 أكتوبر 1965، حين اختُطف الرجل الذي تجاوزت طموحاته حدود السياسة المغربية، ليصبح أحد الوجوه البارزة في النضال العالمي ضد الاستعمار والإمبريالية.

لم يكن المهدي بن بركة قد بلغ الخامسة والأربعين من عمره. كان لا يزال في قلب مشروع سياسي وفكري متحرك، تتشابك فيه أسئلة التحرر الوطني مع معارك الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتتقاطع فيه أحلام شعوب العالم الثالث في الاستقلال مع تطلعات قوى اليسار إلى بناء عالم أكثر عدلاً. لكن ذلك المشروع انقطع على نحو مأساوي، وبقي مصيره الكامل وأسرار اغتياله موضع أسئلة ومطالب مستمرة بالحقيقة والإنصاف.

 

من أزقة الرباط إلى مدارج التفوق العلمي

وُلد المهدي بن بركة في يناير 1920 بالرباط، في أسرة محدودة الإمكانات، لكن ضيق الحال لم يكن كافياً لإطفاء شغفه بالمعرفة. التحق بكوليج مولاي يوسف، المؤسسة التعليمية التي ارتبطت في تلك المرحلة بأبناء النخب والأعيان، واستطاع أن يفرض حضوره بتفوقه الدراسي وذكائه المبكر.

لم تكن الدراسة بالنسبة إليه طريقاً شخصياً للارتقاء فحسب؛ فقد كان يشتغل محاسباً بسيطاً في أسواق الجملة لمساعدة أسرته، جامعاً بين مشقة العمل ومطالب التحصيل العلمي. وفي فضاء المدرسة، لم يقتصر نشاطه على الدروس، بل شارك في الفرقة المسرحية، وأظهر من الحيوية والقدرة على التواصل ما جعله يتجاوز صورة التلميذ المتفوق إلى صورة الشاب الذي يمتلك استعداداً مبكراً للتأثير في محيطه.

حصل على البكالوريا سنة 1938، ثم واصل دراسته في الرياضيات، لينال بكالوريا ثانية سنة 1939. ومع تعذر متابعة دراسته في فرنسا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، انتقل إلى الجزائر، حيث واصل مساره العلمي وحصل على شهادة في الرياضيات، ليصبح، وفق سيرته المتداولة، أول مغربي يحقق هذا الإنجاز.

كان ذلك وجهاً من شخصية المهدي بن بركة: عقل علمي منضبط، وفضول معرفي لا يهدأ، وإيمان بأن المعرفة ليست امتيازاً اجتماعياً، بل أداة لفهم الواقع وتغييره.

من توقيع وثيقة الاستقلال إلى مواجهة الاستعمار

في 11 يناير 1944، وقّع المهدي بن بركة وثيقة المطالبة باستقلال المغرب، وهو في الرابعة والعشرين من عمره. لم يكن توقيعه مجرد محطة في مسار شاب انخرط في الحركة الوطنية، بل تعبيراً عن انتقال مبكر من التطلع الفردي إلى الالتزام بقضية شعب بأكمله.

كان المغرب يومها تحت الحماية الفرنسية، وكانت المطالبة بالاستقلال مواجهة سياسية مباشرة مع نظام استعماري يملك أدوات القمع والإقصاء. أعقب تقديم الوثيقة تصاعد في الاحتجاجات والاعتقالات، وكان بن بركة من بين الذين دفعوا ثمن انخراطهم في الحركة الوطنية، إذ اعتُقل وقضى أشهراً في السجن.

ولم تمض سنوات طويلة حتى اعتُقل مجدداً سنة 1951 ونُفي إلى جنوب البلاد. هناك، بعيداً عن الرباط ومراكز النشاط السياسي، اختبر المناضل الشاب قسوة العزلة، بينما كانت زوجته تتحمل مشقة السفر الطويل لزيارته. ولم يُفرج عنه إلا سنة 1954، في مرحلة كانت فيها قضية الاستقلال تتقدم نحو منعطف حاسم.

لم يكن السجن والنفي نهاية الطريق. فقد عاد بن بركة إلى العمل السياسي، مدافعاً عن استقلال المغرب وعودة محمد الخامس من المنفى، ومؤمناً بأن التحرر لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بتعبئة الناس وتوحيد القوى الوطنية وتنظيم الفعل السياسي.

رجل أراد أن يجعل من السياسة مدرسة للديمقراطية

مع استقلال المغرب سنة 1956، بدا أن المهدي بن بركة مقبل على مرحلة جديدة. عُيّن رئيساً للمجلس الاستشاري، الذي ضم ممثلين عن هيئات سياسية ونقابية مختلفة، وسعى إلى تحويله إلى فضاء للتدرب على الممارسة الديمقراطية ومناقشة قضايا الدولة الناشئة.

لكن الاستقلال السياسي لم ينهِ الأسئلة التي حملتها الحركة الوطنية. أي دولة يريد المغاربة بناءها؟ وما موقع الشعب في ممارسة السلطة؟ وهل يكفي خروج الاستعمار لبناء مجتمع ديمقراطي، أم أن الاستقلال يظل ناقصاً ما لم تصاحبه تحولات سياسية واجتماعية عميقة؟

كانت هذه الأسئلة تتقدم إلى واجهة الصراع. وبالنسبة إلى بن بركة، لم يكن الاستقلال نهاية التاريخ، بل بدايته الفعلية. فالدولة المستقلة، في نظره، ينبغي أن تفتح الطريق أمام مشاركة سياسية حقيقية، وتوسيع الحريات، وتجاوز البنيات الاجتماعية التي أبقت قطاعات واسعة من المغاربة على هامش التنمية والقرار.

هنا بدأت تتضح المسافة بين تصوره لمستقبل البلاد وبين اختيارات السلطة. لم يكن الرجل يميل إلى الاكتفاء بموقع داخل المؤسسات؛ كان يريد أن تكون المؤسسات نفسها موضوعاً للنقاش والتغيير.

من حزب الاستقلال إلى معارضة اختيارات الحكم

في سنة 1959، انشق بن بركة وعدد من رفاقه عن حزب الاستقلال، وأسسوا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى جانب شخصيات من بينها عبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي.

كان الانشقاق تعبيراً عن خلاف سياسي حول طبيعة الدولة واتجاهاتها الاجتماعية والديمقراطية، وعن اقتناع متنامٍ بأن الاستقلال لا ينبغي أن يتحول إلى احتكار للقرار أو إلى إعادة إنتاج علاقات القوة القديمة في صورة جديدة.

ومن خلال جريدة «التحرير»، التي ارتبطت بخط المعارضة، خاض بن بركة معركة سياسية وفكرية حادة، منتقداً اختيارات الحكم ومدافعاً عن توسيع المشاركة الشعبية. ومع احتدام الصراع، أصبحت المعارضة أكثر تعرضاً للتضييق، ووجد بن بركة نفسه في مواجهة مفتوحة مع السلطة.

لم يكن ذلك مجرد خلاف بين سياسيين حول تدبير مرحلة انتقالية؛ فقد تعلق الأمر بسؤال جوهري ظل حاضراً في تاريخ المغرب الحديث: هل تكون الدولة المستقلة فضاءً لتعدد الإرادات السياسية وتداول المسؤولية، أم تظل السلطة الفعلية محكومة بتوازنات لا يستطيع المجتمع التأثير فيها بالقدر الكافي؟

كان المهدي بن بركة من الذين اختاروا المواجهة مع هذا السؤال، ولم يكن مستعداً للتعامل معه باعتباره تفصيلاً مؤجلاً.

حين اتسعت خريطة النضال إلى العالم الثالث

لم يتوقف أفق المهدي بن بركة عند حدود المغرب. فالرجل الذي خاض معركة التحرر الوطني سرعان ما وجد نفسه معنياً بالتحولات التي كانت تعصف بإفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث كانت الشعوب الخارجة من الاستعمار تبحث عن طريقها الخاص نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي.

لقد أدرك أن الاستعمار لا ينتهي دائماً برحيل الجيوش الأجنبية، وأن التبعية يمكن أن تستمر عبر الاقتصاد وشروط التجارة والهيمنة السياسية والثقافية. ومن هنا، أخذت تجربته تتجه نحو ربط النضال الوطني بمعركة أوسع ضد الإمبريالية، وضد أشكال السيطرة التي تعيد إنتاج التفاوت بين دول المركز وشعوب الأطراف.

كان بن بركة يرى في تضامن الشعوب المستقلة شرطاً لتغيير موازين القوى الدولية، وفي وحدة حركات التحرر فرصة لبناء جبهة قادرة على مواجهة الهيمنة العالمية. ولم تكن الأممية لديه زينة خطابية أو مجرد تعاطف مع قضايا بعيدة؛ كانت امتداداً منطقياً لقناعته بأن حرية شعب لا تكتمل في عالم تُترك فيه شعوب أخرى تحت الاحتلال أو الاستغلال.

في هذا المسار، برز دوره في التحضير للمؤتمر الثلاثي للقارات، الذي احتضنته هافانا في يناير 1966، وجمع حركات التحرر والقوى المناهضة للإمبريالية من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكان بن بركة من أبرز مهندسي هذا المشروع، الذي أراد أن يمنح نضالات الشعوب صوتاً مشتركاً يتجاوز الحدود الجغرافية والانقسامات السياسية.

غير أن المؤتمر انعقد بعد اختفائه، فيما ظل الرجل الذي أسهم في الإعداد له غائباً عن لحظة كان ينتظر أن تكون تتويجاً لجهد سياسي وفكري واسع.

باريس.. المحطة الأخيرة قبل الغياب

في 29 أكتوبر 1965، كان المهدي بن بركة في باريس، حيث اختُطف في ظروف ارتبطت بتحقيقات وشهادات وملفات قضائية متعددة. ومنذ ذلك اليوم، لم يظهر له أثر مؤكد، وتحولت قضيته إلى واحدة من أبرز ملفات الاختفاء السياسي في تاريخ المغرب المعاصر.

لم يكن اختطافه حدثاً معزولاً عن سياقه السياسي، ولا مجرد نهاية مأساوية لحياة معارض. فقد وقع في لحظة كان فيها بن بركة يتحرك بين أكثر من ساحة: معارضة السلطة في بلاده، والانخراط في قضايا التحرر العالمي، والعمل على جمع حركات مناهضة الإمبريالية في إطار دولي واسع.

ومع مرور العقود، توالت التحقيقات والأسئلة والمطالب بالكشف عن الحقيقة، من دون أن تتبدد جميع أوجه الغموض التي تحيط بمصيره. وظلت أسرته، إلى جانب حقوقيين ومؤرخين وفاعلين سياسيين، تطالب بكشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات، وعدم السماح للتقادم بأن يتحول إلى وسيلة لإغلاق الملف.

فالقضية لا تتعلق بمصير رجل فحسب، مهما كانت مكانته السياسية، بل بحق المجتمع في معرفة ما حدث، وبحق الذاكرة الوطنية في مواجهة النسيان والإنكار.

شابٌّ غاب جسده وبقي السؤال

كان المهدي بن بركة في الخامسة والأربعين حين اختفى. وهي سنٌّ كان يمكن أن تكون بداية مرحلة أكثر نضجاً في مشروعه الفكري والسياسي، لا نهايته المفاجئة. فقد جمع في مساره القصير بين التفوق العلمي، والالتزام الوطني، والعمل الحزبي، والصحافة، والتنظير السياسي، والانفتاح على حركات التحرر في العالم.

ولعل ما يجعل سيرته حية إلى اليوم ليس فقط أنه كان معارضاً يسارياً بارزاً، ولا أنه اختُطف في ظروف غامضة، بل أنه جسّد محاولة للربط بين ما يُفصل غالباً: الاستقلال والديمقراطية، والتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، وقضايا الشعب المغربي ومعارك الشعوب الأخرى.

بعد واحد وستين عاماً، لا تزال ذكرى المهدي بن بركة تستدعي أكثر من استعادة سيرة رجل غائب. إنها تفتح من جديد أسئلة الدولة والديمقراطية والعدالة، وتعيد التذكير بأن النضال من أجل الحقيقة لا ينفصل عن النضال من أجل مجتمع لا يُعاقَب فيه الاختلاف السياسي بالاختطاف أو الاختفاء.

لقد غاب المهدي بن بركة قبل أن يكتمل مشروعه، لكن الأسئلة التي حملها لم تختفِ معه. وربما تكمن دلالة سيرته اليوم في أن الرجل الذي أراد أن يجعل من المغرب جزءاً فاعلاً في حركة تحرر عالمية، لا يزال حاضراً كلما طُرح سؤال الحرية، وكلما اصطدمت أحلام الشعوب بحدود السلطة ومصالح الهيمنة.

ستة عقود ونيف على الاختطاف، وما زال السؤال قائماً: أين الحقيقة الكاملة في قضية المهدي بن بركة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى