
في زمن الاضطرابات الجيوسياسية المتسارعة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحول إلى شريان عالمي تختنق عنده أسواق الطاقة كلما اشتد التوتر في الخليج. ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتبادل الاتهامات بشأن زعزعة الاستقرار الإقليمي، تبدو مؤشرات الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها المغرب.
هذا السياق الدولي المتوتر يعيد إلى الواجهة، وبإلحاح غير مسبوق، سؤال الأمن الطاقي الوطني، ويكشف هشاشة الخيارات التي اعتمدها المغرب منذ سنوات، خاصة بعد توقف نشاط مصفاة “لاسامير”، التي كانت تشكل إحدى الركائز الأساسية لضمان التوازن في السوق الداخلية.
مضيق هرمز.. عنق الزجاجة العالمي
تمر عبر مضيق هرمز نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، ما يجعله نقطة ضغط جيوسياسي بامتياز. وأي اضطراب في هذه المنطقة، سواء عبر تهديد الملاحة أو تصعيد عسكري مباشر، ينعكس فوراً على أسعار النفط في الأسواق الدولية، ويخلق حالة من عدم اليقين لدى الدول المستوردة.
بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد حاجياته من المواد البترولية، فإن استمرار هذا التوتر يعني ارتفاع كلفة الطاقة، وتفاقم عجز الميزان التجاري، فضلاً عن الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل سوق داخلية لا تخضع دائماً لمنطق المنافسة الشفافة.
“لاسامير”.. من صمام أمان إلى ملف معلق
في قلب هذا النقاش، تعود مصفاة “لاسامير” بالمحمدية كعنوان بارز لفشل تدبير ملف استراتيجي. هذه المنشأة، التي لعبت أدواراً محورية خلال أزمات دولية سابقة، من حرب الخليج إلى الأزمة المالية العالمية سنة 2008، كانت توفر للمغرب هامشاً مهماً من الاستقلالية في التزود بالمحروقات، عبر تخزين وتكرير النفط محلياً.
غير أن قرار خوصصتها، ثم تعثرها لاحقاً، أدخلاها في نفق قضائي طويل داخل أروقة المحكمة التجارية بالدار البيضاء، دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في إيجاد حل نهائي يعيدها إلى النشاط. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول غياب رؤية استراتيجية في تدبير قطاع حيوي بهذا الحجم.
سوق محررة.. أم مجال للاحتكار؟
منذ إغلاق “لاسامير”، دخل سوق المحروقات مرحلة جديدة عنوانها التحرير، لكن واقع الحال يكشف أن هذا التحرير لم يواكبه ضبط حقيقي لآليات المنافسة. بل على العكس، برزت اتهامات متكررة بسيطرة عدد محدود من الفاعلين على السوق، وتوجيه الأسعار بما يخدم مصالحهم، في غياب دور فعال للدولة كمنظم وضامن للتوازن.
وفي ظل تقلبات الأسعار الدولية، يجد المستهلك المغربي نفسه الحلقة الأضعف، يؤدي فاتورة ارتفاع النفط دون أن يستفيد بشكل ملموس من فترات الانخفاض، وهو ما يعمق الشعور بعدم العدالة الاقتصادية.
الأمن الطاقي.. خيار سيادي لا يحتمل التأجيل
ما يحدث اليوم في الخليج ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول على تأمين حاجياتها الحيوية في عالم غير مستقر. وبالنسبة للمغرب، فإن إعادة التفكير في نموذج تدبير قطاع الطاقة لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية.
إعادة تشغيل “لاسامير” أو إيجاد بديل وطني للتكرير، لم يعد مجرد مطلب نقابي أو اقتصادي، بل تحول إلى قضية سيادة، ترتبط بحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات الخارج، وبضمان حد أدنى من الاستقلالية في اتخاذ القرار الطاقي.
في النهاية، قد لا يملك المغرب تأثيراً مباشراً على ما يجري في مضيق هرمز، لكنه يملك، دون شك، القدرة على إعادة ترتيب بيته الداخلي، واتخاذ قرارات شجاعة تعيد التوازن لقطاع حيوي ظل لسنوات رهين الانتظار.





