
البورتريه: قعبور…نشيد باقٍ +فيديوهات
قالت عنه رحاب ضاهر الصحافية والناقدة الفنية اللبنانية. “لم يعل صوت أحمد قعبور في أروقة الموسيقى ولا في منابر السياسة، بل تشكل في زاوية صغيرة من بيت بسيط، على مصطبة صارت له أول مدرسة، حيث كانت تجلس أمه فاطمة كل صباح، امرأة أمية، لكنها آمنت بأن العلم هو السلاح الوحيد، الذي يحمي أولادها من قسوة الأيام”.
وأضافت، هناك، بين قدح يغلي بمربى السفرجل، وبين دفء توزيعه على ثلاثة أولاد وثلاث بنات، ومع أبناء عمهم الثلاثة الأيتام الذين احتضنتهم بقلب لا يعرف التفريق بين صغير وكبير، بدأ أحمد يلتقط معنى الحب والمسؤولية والانتماء.
على تلك المصطبة، حيث تختلط رائحة المربى بدخان سجائر أبيه محمود الرشيدي، أول عازف كمان في لبنان، تشققت في روحه أولى خرائط الوطن؛ وطن يبدأ من بيت عادي، تقوده امرأة لا تقرأ ولا تكتب، لكنها تعرف كيف تزرع في أولادها الحلم.
زرعت فاطمة هناك بذرة طفل يكبر ليحتضن الفن بيد، ويصون ذاكرة الإنسان باليد الأخرى. إنها امرأة لم تمسك القلم، لكنها خطت في نفوس أولادها أعظم درس: أن المستقبل يُبنى بالعلم، وأن البيت، مهما ضاق، يمكن أن يتسع لتسعة أطفال إذا كان القلب واسعاً بما يكفي ليصبح الوطن.

ومنذ تلك اللحظة، صار الوطن في عيني أحمد صورة حسية لا مجرد فكرة نظرية؛ دفءً، ورائحة، وذاكرة، ومصطبة صغيرة تجمع كل ما يمكن للإنسان أن يخسره، أو يدافع عنه.
كان أحمد قعبور صوتا لا يُشبه سواه؛ صوتا خرج من شقوق الألم العربي ليصير نشيدا للذاكرة والكرامة. لم يكن مجرد فنان، بل شاهدا على زمنٍ مثقل بالقضايا، حمل عوده كما يحمل المناضل قضيته، وجعل من الأغنية مساحة للمقاومة والبوح الإنساني.
في تجربته، لم تكن فلسطين موضوعا عابرا، بل كانت قلب النبض كله.
ومن بين أعماله، ارتفعت أغنية “أناديكم” كعلامة فارقة، تلك التي كتبها الشاعر توفيق زياد ولحنها وغناها قعبور عام 1975، فتحوّلت إلى ما يشبه صلاة جماعية، تردّدها الحناجر في المظاهرات، وتحتفظ بها الذاكرة العربية كأحد أبرز أناشيد الصمود.
وُلد قعبور في بيروت عام 1955، في بيتٍ بسيطٍ لكنّه مشبع بالموسيقى. كان والده، عازف الكمان، بوابته الأولى إلى العالم الفني، فيما منحتْه والدته، رغم أميّتها، إيمانًا عميقًا بقيمة التعليم والوعي. منذ طفولته، كان يتسلل إلى الحفلات، يراقب، ينصت، ويتعلّم، كأنّه يُعدّ نفسه لدورٍ أكبر من مجرد الغناء.
تفتحت موهبته في زمن الحرب، فكانت بدايته الفنية عام 1975، بالتوازي مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. هناك، وسط الركام، وُلد صوته. لم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة حين أطلق “أناديكم”، وكأنّه كان يرمم بها كسور الهزيمة التي خلّفتها نكسة 1967 في وجدان والده ووجدان جيلٍ كامل.
سرعان ما صار اسمه مرادفًا للأغنية الملتزمة، إلى جانب أسماء مثل مارسيل خليفة وزياد الرحباني، في زمنٍ كانت فيه الأغنية فعلًا ثقافيًا وسياسيًا بامتياز. ومن ألبوماته المتعاقبة، ظلّ ينسج خيطًا واحدًا: الإنسان، في ألمه وأمله، في يومياته الصغيرة وقضاياه الكبرى.
لكن قعبور لم يحصر نفسه في الغناء. عبر إلى المسرح، حيث شارك في أعمال مثل “شي فاشل” من تأليف زياد الرحباني، واستعاد من خلالها روح الفلكلور اللبناني بتناقضاته الحيّة. وظهر في السينما عبر فيلم “ناجي العلي”، مستحضرًا سيرة رسامٍ اغتيل جسدًا وبقي حيًا في الضمير.
وفي التلفزيون، توزّعت أدواره بين التاريخي والاجتماعي، وصولًا إلى ظهوره في مسلسل “النار بالنار” عام 2023، حيث جسّد شخصية موسيقي غيّبته الحرب، لكنّه ظل حاضرًا كأثرٍ لا يمّحي—كما هو حاله في الواقع.

وللأطفال، كان له نصيب من قلبه. لحّن لهم وغنّى، وكتب لهم عالمًا أكثر صفاءً، مؤمنًا بأن الوعي يبدأ من النشأة، وأن الأغنية يمكن أن تكون بذرةً في تربة المستقبل.
تكوّن وعيه المبكر على تماسٍ مباشر مع المعاناة الفلسطينية، فقد نشأ قرب مخيم صبرا، ورأى بعينيه وجوه اللجوء والفقد. تأثر بكتابات غسان كنفاني، خاصة “أم سعد”، حتى قال إنه أراد أن يكون “أبو سعد”—وكأن الفن عنده لم يكن إلا امتدادًا لحكايةٍ أكبر.
بيروت تودع قعبور
شُيّع جثمان الفنان أحمد قعبور عقب صلاة الجمعة من مسجد الخاشقجي في بيروت، في وداعٍ مهيب غلبت عليه مشاعر الحزن والامتنان. وقد احتشد محبّوه وأصدقاؤه لاستقباله لحظة وصوله من مستشفى المقاصد، يتقدّمهم النائب إبراهيم منيمنة، إلى جانب وجوه سياسية وثقافية وفنية، ورفاق دربه الذين رافقوه منذ البدايات في سبعينات القرن الماضي.
وبعد أداء الصلاة، حُمل النعش على الأكتاف في مشهدٍ مؤثّر، وشقّ طريقه إلى جبانة الشهداء حيث ووري الثرى. هناك، أُسدلت الستارة على مسيرة حافلة بالنضال الإنساني والوطني، ظلّ فيها قعبور صوتًا حيًّا لقضايا الناس، وشعلةً لم تنطفئ إلا بالجسد.
ظل وفيا لهذا الخط حتى آخر أيامه، إلى أن رحل في بيروت يوم 26 مارس 2026، بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا لا يُختصر في أغانٍ، بل في موقفٍ كامل من الحياة.
هكذا كان أحمد قعبور: صوتًا حين يصمت الآخرون، وذاكرةً حين ينسى الزمن، ونشيدًا لا ينتهي.
مصدر فيديو الجنازة: TRT عربي





