
في مشهد يعكس عمق الأعطاب التي تنخر منظومة التعليم العالي، أصدرت غرفة جرائم الأموال الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمراكش، يوم الجمعة، أحكاماً وُصفت بالمشددة في ملف بات يُعرف إعلامياً بـ”بيع شهادات الماستر“، وقد تصدر لائحة المدانين أستاذ التعليم العالي أحمد قيلش، المرتبط بكلية الحقوق التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، والذي حُكم عليه بأربع سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية بلغت 237 ألف درهم.
ولم يكن قيلش وحده في قفص الاتهام، إذ تقاطرت الأحكام على باقي المتابعين بنفس الصرامة الظاهرة، حيث نال “حسن.ز” العقوبة ذاتها، بينما أُدينت زوجة الأستاذ بسنتين حبسا نافذا وغرامة 187 ألف درهم، وتوزعت بقية الأحكام بين سنة وثمانية أشهر وغرامات متفاوتة، في حين خرج “حفيظ.ب” ببراءة قد تبدو في نظر البعض كاستثناء يؤكد القاعدة.
اقتصاد الظل الأكاديمي… حين تُسعر الشهادات كالعقارات
القضية لا تقف عند حدود جنائية ضيقة، بل تكشف عن اقتصاد خفي موازٍ داخل الجامعة، حيث تتحول الشهادات إلى سلعة قابلة للبيع والشراء، فوفق معطيات الملف، قد تتراوح “تسعيرة” ولوج بعض مسالك الماستر بين 30 ألف و100 ألف درهم، وهو رقم كفيل بتحويل المعرفة إلى امتياز طبقي بدل أن تكون حقاً دستورياً.
هذا الانحراف لا يمكن فصله عن واقع اجتماعي مأزوم، حيث تشير تقديرات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة في صفوف الشباب الحاصلين على شهادات عليا يتجاوز 20%، ما يخلق طلباً مهووساً على “أي شهادة” قد تفتح باب الشغل، حتى وإن كانت ملوثة بالفساد.
الجامعة بين الرسالة والسمسرة
و تكمن المفارقة القاتمة في أن المؤسسة التي يُفترض أن تكون حصناً للنزاهة وإنتاج الكفاءات، تتحول في بعض زواياها إلى فضاء للسمسرة الأكاديمية، فالأستاذ، الذي يُفترض أن يكون رمزاً للعلم، يجد نفسه – في هذه القضية – متهماً بتزوير دبلومات والتلاعب بمصائر الطلبة، في مشهد يكاد يختزل أزمة ثقة شاملة.
وإذا كانت هذه الأحكام تعكس إرادة قضائية لردع الفساد، فإنها في المقابل تطرح سؤالاً سياسياً أعمق: هل نحن أمام حالات معزولة أم أمام نمط بنيوي يُدار بصمت داخل بعض المؤسسات؟
تحقيقات بدأت في صمت… وانتهت بصدمة مدوية
تعود خيوط هذه القضية إلى شهر ماي من السنة الماضية، حين باشرت النيابة العامة تحقيقات دقيقة حول شبهات ارتشاء واستغلال نفوذ، انتهت بتوقيف الأستاذ المعني بناءً على تعليمات قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمراكش،فيما كشفت التحقيقات، بحسب المعطيات المتوفرة، عن آليات غير قانونية لتسهيل ولوج الطلبة إلى سلك الماستر أو منح شهادات جامعية مقابل مبالغ مالية أو تدخلات نافذة.
ما بعد الأحكام… هل يتغير شيء؟
رغم ثقل الأحكام، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تكفي العقوبات وحدها لإصلاح منظومة تتآكل من الداخل؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه معالجة لأعراض مرض أعمق؟
في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية، قد تتحول هذه القضية إلى مجرد حلقة أخرى في مسلسل طويل من الفضائح، حيث يُعاقب بعض “الصغار” بينما يستمر النظام الذي أفرزهم في العمل بكفاءة… مقلقة.




