
أنا كوفي…لنفتح قوسا…ثم عرسا
بقلم: الكاتب والصحافي خالد أخازي
واهم من يعتقد أن الكوفية مجرد قطعة قماش تطوى على عجل فوق كتف حين تنقض مسيرة شعبية أو لقاء تضامني، واهم من يعتقد أنها زينة عابرة تستدعى في مواسم الغضب ثم تنسى…
واهم من يحاول أن يمرر وهم معادلة مزيفة

واهم من يحاول أن يمرر وهم معادلة مزيفة، طرفها الأول الكوفية، والثاني اللاوطنية…. بل حتى الخيانة….. الكوفية نص بصري مفتوح، يقرأ بالعين كما يحس بالقلب، وتفك شفراته في الذاكرة الجماعية للأمم التي عرفت معنى أن تسلب الأرض ويساوم على الكرامة…
هي علامة سيميائية متمردة، تخترق الجغرافيا والتاريخ والأعراق والملل، لتعلن بصرامة لا تقبل التأويل عن اصطفاف مطلق مع القضايا العادلة، وعن مقاومة فطرية ضد كل أشكال الاحتلال والاستعمار التي حاولت، وما تزال، تدجين الروح البشرية.
تعلمنا سيمياء الأشياء، أن ثمة رموزا تولد لتموت، وثمة رموزا تبعث كلما ظن البعض أنها اندثرت، والكوفية من الصنف الذي لا يعرف الأفول… لقد عبرت الجغرافيا كما تعبر الريح، لا تعترف بحدود ولا بجوازات سفر، لأنها تحمل جوهرا إنسانيا يتجاوز القوميات الضيقة.
الكوفية تعلن بصمتها الصاخب أن العدالة فكرة لا تقهر
من أسطح البيوت في القرى المنسية، إلى ساحات الجامعات في العواصم الكبرى، ظلت الكوفية تعلن بصمتها الصاخب أن العدالة فكرة لا تقهر، وأنها “بيان كوني” بصري ضد الإبادة البشرية، وإحراج مستمر للعقل الغربي الذي اعتاد الكيل بمكيالين، وقوى الانبطاح التي استمرأت الهزيمة، وخطابات “النوع” التي تحاول أحيانا تمييع القضايا الوجودية الكبرى.
الكوفية قاسية… نعم، لكن قسوتها نابعة من صدقها الصادم. هي قاسية لأنها تذكر أولئك الذين يريدوننا أن ننسى، بأن الحق لا عقيدة له ولا عرق ولا جغرافيا تحده…
إنها بيان لا يكتب بالحبر بل بالوجدان والعقل معا، ولا يتلى في المؤتمرات بل يرتدى في الشوارع ليكون شاهدا على العصر. وحين نرتديها، فإننا لا نرتدي مجرد رمز، بل نستحضر روح “ياسر عرفات” وهو يفتح نوافذ الأمل بسلام ممكن، بيد ترفع غصن زيتون وأخرى تعانق أصابعها بندقية الدفاع عن الوجود…
لم يكن ذلك تناقضا، بل كان تعبيرا عن تعقيد الواقع: سلام لا يمنح لمن يتخلى عن كرامته، وكوفية لا تمنح الدفء لمن يبيع أرضه. الكوفية ليست ضد “الآخر” لهويته أو معتقده، بل هي الرمز الذي نرفعه في وجه الظلم والقهر والاحتلال أينما وجد…
الكوفية… ضمير بصري يرفض أن يجزأ الألم

إنها تخترق التاريخ لتلعن أفران النازية، وتستحضر “الهولوكوست” كأبشع ظلم لحق باليهود في لحظة جنون بشري، لكنها، بالاتساق الأخلاقي ذاته، تدين هولوكوست غزة اليوم… القضية هنا غير قابلة للتجزئة… فمن يرفض حرق الإنسان في أفران “أوشفيتز”، لا يمكنه أن يبارك صهر الأجساد في غزة بآلات الدمار الحديثة…
الكوفية… ضمير بصري يرفض أن يجزأ الألم أو أن يرتب وفق أولويات سياسية أو مصالح عابرة… في قلب هذا العقل الكوني، تكتسب الكوفية في السياق المغربي طبقة إضافية وراسخة من الشرعية. إنها لا تتناقض مع الوطنية، بل تعمق جذورها.
فحين أتوشح بالكوفية، فإني أفعل ذلك وأنا أترافع عن الصحراء المغربية بشراسة المؤمن بقدسية ترابه…لأننا أصحاب قضية عادلة، وأصحاب حق تاريخي وحضاري وأممي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه…
إن الربط المصطنع بين التضامن مع فلسطين وبين التخلي عن الثوابت الوطنية ليس سوى وهم يصرفه أولئك الذين يخشون اتساع الوعي.
الكوفية لا تهادن تجار المواقف
الوقوف مع فلسطين كان وسيظل موقفا ثابتا للدولة والشعب المغربي، وهو امتداد طبيعي للدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة. الكوفية وطنية بامتياز وكونية دون شك.. لأنها تعبير ناعم وبهي لسيادة مغربية راسخة ترفض الظلم والاحتلال بكافة أشكاله.
هي تلعن، بكل خيط في نسيجها، كل رصاصة وجهت لصدر جندي مغربي يدافع عن وحدة بلاده، وتلعن جنرالات الجوار الذين استمرأوا المتاجرة بالأزمات الإنسانية لضرب استقرار وطن ضارب في أعماق التاريخ…
الكوفية لا تهادن تجار المواقف، ولا أولئك الذين يحولون القضايا إلى سلع يباع ويشترى فيها بحسب اتجاه الريح. إنها إعلان أن هناك خطوطا حمراء لا تباع، وأن السيادة والكرامة صنوان لا يفترقان. حين نختار الكوفية، فنحن نختار الانحياز للإنسان حين يسحق، وللحق حين يطمس، وللذاكرة حين يراد لها أن تمحى.
إنها موقف ضد الانبطاح، وضد أولئك الذين يحاولون إيهامنا بأن الوقوف ضد التقتيل في غزة هو خروج عن الخيار الوطني الاستراتيجي.
الوطنية المغربية ليست سجنا أو تقوقعا بل هي التزام بقيم كونية
هؤلاء يبيعون الوهم، فالوطنية المغربية ليست سجنا أو تقوقعا، بل هي التزام بقيم كونية تجعل من المغربي صوتا للحق أينما كان. الكوفية تعلمنا أن الهوية أفق وليست جدرانا، وأن الدفاع عن كرامة إنسان في القدس هو بالضرورة دفاع عن كرامة الإنسان في العيون والداخلة والرباط.

إنها ذاكرة فاعلة تلهم الحاضر وتوجه المستقبل. حين ينظر شاب مغربي إلى الكوفية اليوم، فإنه يرى فيها تقاطعا فريدا بين نضاله من أجل وحدته الترابية، وبين نضال أخيه في فلسطين من أجل وجوده.
هي خيط رفيع يربط مآسي الماضي بآمال المستقبل، وتوقيع حي على ميثاق الأمل الذي لا ينكسر.
الكوفية، بكل بساطتها، تظل واحدة من أعقد النصوص التي كتبت دون كلمات…نص مفتوح يعيد طرح السؤال الوجودي في كل محفل: أين تقف؟ ومع من تصطف؟






