
تحرير: بثينة المكودي
في زمن تتفاقم فيه الأزمات الاجتماعية وتزداد فيه هشاشة الطبقة الفقيرة والمتوسطة، أصبحت مشاهد المواطنين وهم يناشدون الجهات العليا عبر مقاطع الفيديو طلبًا للإنصاف، مشهدًا متكررًا يعكس عمق الجرح الاجتماعي الذي خلفته عمليات الهدم والترحيل دون حلول واضحة وسريعة تحفظ كرامة الأسر المتضررة.

ففي الدار البيضاء، وبالضبط في المدينة القديمة، حيث ترعرعت أجيال؛ منهم من أنقذ مسار حياته، ومنهم من ظل تحت وطأة الفقر والهشاشة، وجد كثيرون أنفسهم بين ليلة وضحاها خارج منازلهم، بعد هدم مساكنهم بشكل كامل، دون توفير بدائل سكنية فورية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي والنفسي، ودون ضمانات واضحة بشأن آجال إعادة الإسكان أو شروط الاستفادة من مشاريع السكن البديل.
الترحيل القسري ومعاناة الأسر

أمام هذا الواقع، لا تجد هذه الأسر سوى رفع أصواتها وطرق أبواب الجهات العليا، مطالبة بتدخل عاجل يضع حدًا لمعاناتها اليومية، سواء عبر توفير سكن مؤقت يحفظ كرامتها، أو تمكينها من شقق ومنازل لائقة داخل المجال الحضري، بدل دفعها نحو هوامش المدن ومناطق بعيدة تفتقد لأبسط شروط العيش الكريم.
وتزداد المأساة حين تتم عمليات الهدم والترحيل في توقيت حساس، خصوصًا مع نهاية الموسم الدراسي واقتراب الامتحانات الإشهادية، حيث يجد الأبناء أنفسهم أمام واقع نفسي واجتماعي صعب، بين فقدان الاستقرار الأسري والانقطاع المحتمل عن الدراسة، في وقت يفترض فيه أن ينصب تركيزهم الكامل على التحصيل والنجاح.
الأطفال أول ضحايا الهدم
الطفل داخل هذه الأسر لا يفهم تعقيدات التعمير ولا مساطر الهدم، لكنه يشعر مباشرة بفقدان الأمان، حين يجد نفسه بعيدًا عن مدرسته، وأصدقائه، وحيّه الذي نشأ فيه، هذا الاضطراب المفاجئ ينعكس بشكل مباشر على نفسيته وعلى مستواه الدراسي، ويخلق جيلاً يعيش الإقصاء منذ الطفولة.
كما أن الأسر التي تضم مسنين أو أشخاصًا في وضعية إعاقة تعاني بشكل مضاعف، إذ تصبح عملية الانتقال والبحث عن سكن جديد أكثر تعقيدًا، في ظل غياب مواكبة اجتماعية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه الفئات الهشة.
الغلاء يضاعف الأزمة
حتى خيار الكراء لم يعد متاحًا بسهولة، بسبب الارتفاع المهول في السومة الكرائية داخل المدن، ما يجعل عدداً كبيراً من الأسر عاجزًا عن تأمين مسكن بديل. كثيرون يضطرون إلى الرحيل نحو مناطق بعيدة، ما يعني الانفصال عن العمل والمدرسة والمحيط الاجتماعي، والدخول في دوامة جديدة من الهشاشة والفقر.
وفي ظل هذا الوضع، يبقى أمل المتضررين معلقًا على تدخل ملكي يضمن إنصافهم، ويُسرّع تسوية ملفاتهم، ويُخفف من الشروط المادية والإدارية التي تقف حاجزًا أمام حقهم في السكن الكريم.
السكن ليس امتيازًا بل حق
إن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم فقط بمنطق قانوني أو عمراني صرف، بل تحتاج إلى مقاربة اجتماعية وإنسانية تضع كرامة المواطن في صلب القرار، لأن السكن ليس امتيازًا يُمنح، بل حق دستوري يجب أن يُصان.
فالمدن لا تُبنى فقط بالإسمنت، بل تُبنى أيضًا بالعدالة الاجتماعية، وحين يشعر المواطن بأن بيته يمكن أن ينهار دون بديل، فإن الثقة نفسها تبدأ في التصدع.




