الرئسيةتحقيقدابا tvمجتمع

تأهيل أم اقتلاع؟ أسئلة الهدم في درب الإنجليز بالدارالبيضاء +فيديوهات

بقلم بثينة المكودي

درب الإنجليز حين لا يهدم الإسمنت وحده

في درب الإنجليز بالمدينة القديمة للدار البيضاء، لا يقع الهدم على الإسمنت وحده، ما يجري هناك يشبه اقتلاع صفحة من دفتر المدينة، وتمزيق هامش كان يعلّم الدار البيضاء معنى العيش قبل أن تصبح الأحياء مشاريع، وقبل أن تتحوّل الأزقة إلى أرقام في دفاتر التهيئة.

التأهيل الحضري أم إعادة ترتيب المجال على حساب الناس؟

عادت الجرافات لتفرض إيقاعها في مكان عاش طويلا خارج ضجيج الرؤى الحضرية الكبرى،حيث أن  هنا لا تقاس الحياة بعدد الطوابق ولا بواجهة نظيفة، بل بعلاقات الجوار، وباقتصاد القرب، وبذاكرة جماعية صمدت لعقود، لذلك، حين يقال إن ما يحدث “تأهيل حضري”لا يكون السؤال رفض للتأهيل في حد ذاته، بل مساءلة لطريقة تنزيله، وللكلفة الاجتماعية التي تُدفع بصمت.

أسئلة مشروعة تُفكك خلفيات الهدم

أفي ظل غياب معطيات رسمية دقيقة ومعلنة للرأي العام، يجد سكان درب الإنجليز، ومعهم عدد من المتتبعين، أنفسهم أمام أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها أو التعامل معها بمنطق الأمر الواقع.

أول هذه الأسئلة يتصل بطبيعة دواعي الهدم: هل يستند القرار فعلا إلى مخاوف تقنية مرتبطة بخطر الانهيار، بناء على تقارير خبرة محايدة ومفصلة تُحدد بدقة مستوى الخطورة في كل بناية على حدة؟ أم أن الأمر يتعلق بتقدير عام غير مُعلن المعايير؟

في المقابل، يطرح احتمال آخر نفسه بقوة، يتعلق بكون عمليات الهدم جزءا من رؤية أوسع لإعادة تهيئة محيط المدينة القديمة أو إدماجه في مشروع حضري كبير.

وإذا كان الأمر كذلك، فما هي معالم هذه الرؤية؟ وما طبيعة “المصلحة العامة” التي يُستند إليها؟ ومن هي الأطراف المستفيدة منها؟ وكيف يتم التوفيق بينها وبين الحق الدستوري للسكان في السكن والاستقرار وعدم التهجير القسري؟

وتتعزز علامات الاستفهام حين يُطرح سؤال المساطر القانونية المؤطرة للعملية: هل يتم الهدم وفق مقتضيات قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، بما يضمن تعويضاً عادلاً ومنصفاً، واحترام الآجال القانونية، وتمكين المتضررين من حق الطعن؟ وماذا عن التجار والحرفيين، وهل تم احتساب فقدان الأصل التجاري ضمن التعويضات المفترضة؟

أسئلة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالبعد الثقافي والإنساني للعملية، إذ يظل غير واضح موقع هذه التدخلات ضمن استراتيجية متكاملة لحماية الثروة اللامادية للمدينة القديمة، بما تحمله من ذاكرة جماعية، وحرف تقليدية، وأنماط عيش متجذرة، وشبكات تضامن اجتماعي لا يمكن تعويضها بترحيل السكان إلى شقق إسمنتية معزولة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.

أسئلة مفتوحة تبقى في انتظار أجوبة رسمية واضحة، تُنهي منطق الغموض، وتعيد الاعتبار لحق الساكنة في المعلومة والمشاركة في تقرير مصير مجال عاشوا فيه لأجيال.

“ولاد الدرب” يتكلمون: الذاكرة وهي تُقتلع

قال لنا:  عبد اللطيف أحد أبناء درب الإنجليز، وهو يتابع انهيار جدار عاش خلفه طفولته وشبابه:

وأضاف “راه ذكريات حياة كاملة وعمر كامل مشات بين يوم وليلة، ما هدموش غير دار ولا حانوت، هدمو جزء منّا، هنا كبرنا، هنا فرحنا، هنا بكّينا، ودابا كلشي تحوّل غير لغبار”.

وأوضح ساكن آخر ملقب بالعوينة:

“ما عمرنا قلنا ما يتصلّحش الحي ولا ما تبناش المدينة، تصلح بينا ومعنا، ولكن هكذا وبهاد السرعة وبهذا التوقيت، وبلا بدائل واضحة، كنحسو بحال إلا خرجونا من حياتنا ماشي غير من بيوتنا”.

بين السلامة والحق في المدينة

وخلال تحرينا في هذه الوقائع، تبين أن لا أحد يُجادل في أولوية السلامة حينما تكون البنايات مهددة بالانهيار. غير أن السلامة، حين تُفصل عن العدالة الاجتماعية، تتحول إلى قرار أعرج يفتقد شموليته الإنسانية.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حماية الأرواح، بل في تحقيق توازن دقيق بين صون الحق في السلامة وضمان كرامة العيش، وبين إعادة تأهيل المجال الحضري وعدم تحويل السكان إلى ضحايا جانبيين لمشاريع كبرى لا يُشركون في تصورها ولا في صياغة ملامحها.

ذاكرة تُمحى أم مدينة تصلح نفسها؟
درب المعيزي الذي كان..
الدارالبيضاء 1960

في درب الإنجليز، يلتقي هاجس السلامة بمنطق إعادة تشكيل المجال الحضري، غير أن هذا الالتقاء يجري، إلى حدود اللحظة، في ظل غياب ضمانات اجتماعية وقانونية مُعلنة، وبدون تصور واضح لحماية ذاكرة المدينة العتيقة وصون عناصرها الرمزية. وإلى أن تصدر توضيحات رسمية مكتوبة، وتتولى جهات مسؤولة تقديم إجابات صريحة عن الأسئلة العالقة، سيظل هدم البنايات يُؤوَّل، لدى الساكنة والمهتمين بالشأن المحلي، بوصفه جرحًا غائرًا في ذاكرة الدار البيضاء، لا مجرد ورش عمراني ظرفي.

ويرى متتبعون أن إعادة تأهيل المدينة لا تُقاس بسرعة الآليات ولا بحجم ما يُزال من مبانٍ، بقدر ما تُقاس بقدرة السياسات العمومية على التدخل دون تفكيك النسيج الاجتماعي، ودون طمس الحكايات اليومية التي شكّلت روح المكان وراكمت ذاكرته الجماعية عبر عقود. فالعمران، في جوهره، ليس إسمنتًا وخرائط فقط، بل هو بشر وذاكرة وتاريخ، لا تقل قيمتها عن أي تصور تقني أو هندسي.

المدينة القديمة: أرشيف اجتماعي لا يُعاد بناؤه بالجرافات

المدينة القديمة ليست مجرد بنايات متقادمة، هي أرشيف حي تدار فيه الحياة بمنطق القرب والتكافل، و حين يُهدم الحي، لا تنتقل هذه المنظومة تلقائيا إلى السكن البديل،بل  ينتقل الناس فقط، فيما تتفكك شبكة أمان اجتماعي كانت تعوّض هشاشة الدخل وقسوة المدينة الحديثة.

توقيت قاسٍ… والشتاء شاهد

يكتسي توقيت الإفراغ والهدم دلالة مضاعفة حين يتم في عزّ البرد والمطر، هنا لا يعود القرار إداري محض، بل اختبار للبعد الإنساني في السياسات العمومية، فالشتاء يضاعف الهشاشة، وأي غياب لحلول سكنية مؤقتة أو مواكبة اجتماعية يجعل الخطر الاجتماعي قائما بقدر الخطر البنيوي.

فهل يُهدم درب الإنجليز باسم السلامة أم باسم إعادة تشكيل المجال؟

التجار والحرفيون: حين يُقتل الرزق قبل أن يُهدم المحل

أكثر المتضررين من الهدم هم أصحاب المتاجر والحرفيين “الحانوت”في المدينة القديمة ليس مجرد محل، بل تاريخ وعلاقة زبناء ورأسمال ثقة.

اقتلاع التاجر من موقعه يعني، في حالات كثيرة، نهاية نشاط لا يمكن نقله آليا إلى حي آخر، وهنا يُطرح بقوة سؤال البدائل التجارية والتعويضات، لا كامتياز، بل كحق.

“ولاد الدرب” يتكلمون: الذاكرة وهي تُقتلع

يقول عبد اللطيف أحد أبناء درب الإنجليز، وهو يتابع انهيار جدار عاش خلفه طفولته وشبابه:

“راه ذكريات حياة كاملة وعمر كامل مشات بين يوم وليلة، ما هدموش غير دار ولا حانوت، هدمو جزء منّا، هنا كبرنا، هنا فرحنا، هنا بكّينا، ودابا كلشي تحوّل غير لغبار”.

ويضيف ساكن آخر ملقب بالعوينة:

“ما عمرنا قلنا ما يتصلّحش الحي ولا ما تبناش المدينة، تصلح بينا ومعنا، ولكن هكذا وبهاد السرعة وبهذا التوقيت، وبلا بدائل واضحة، كنحسو بحال إلا خرجونا من حياتنا ماشي غير من بيوتنا”.

بين السلامة والحق في المدينة

لا أحد يجادل في أولوية السلامة إذا كانت البنايات مهددة، لكن السلامة، حين تُفصل عن العدالة الاجتماعية، تتحول إلى قرار أعرج، التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن بين حماية الأرواح وحماية كرامة العيش، وبين إعادة تأهيل المجال وعدم تحويل السكان إلى ضحايا جانبيين لمشاريع لا يُشركون في صياغتها.

ذاكرة تُمحى أم مدينة تصلح نفسها؟

في درب الإنجليز، يبدو أن فرضية السلامة تتقاطع مع فرضية إعادة تشكيل المجال الحضري، لكن دون ضمانات اجتماعية وقانونية كافية، ودون رؤية معلنة لحماية ذاكرة المدينة القديمة، إلى أن تقدم  توضيحات رسمية مكتوبة، وتصريحات مسؤولة تُجيب عن هذه الأسئلة، سيظل الهدم يُقرأ باعتباره جرح مفتوح في ذاكرة الدار البيضاء، لا مجرد ورش عمراني .

وجدير بالذكر ان تأهيل المدينة لا يقاس بسرعة الهدم، بل بقدرتها على الإصلاح دون أن تكسر ناسها، ودون أن تمحو الحكايات التي صنعت روحها.

على سبيل  الختم الأولي

في ضوء ما سبق، يبرز البعد الحقوقي باعتباره مدخلا أساسيا لأي قراءة مسؤولة لما يجري بدرب الإنجليز. فالمسألة لا تتعلق فقط بقرارات تقنية أو اختيارات عمرانية، بل بحقوق دستورية واضحة، في مقدمتها الحق في السكن اللائق، والحق في المعلومة، والحق في المشاركة في اتخاذ القرار العمومي، كما تنص عليه المواثيق الوطنية والدولية التي صادق عليها المغرب.

إن أي تدخل في النسيج العمراني للمدينة القديمة، متى مس الاستقرار الاجتماعي للساكنة، يقتضي مقاربة تشاركية تضمن الشفافية، وتكفل سلوك المساطر القانونية الواجبة، وتُخضع قرارات الهدم والمصاحبة الاجتماعية لمنطق المساءلة، لا لمنطق الاستعجال.

ومن هذا المنطلق، يفتح ملف درب الإنجليز أفقا لتحقيق صحفي أكثر شمولية ومهنية، يتجاوز توصيف الوقائع إلى تفكيك السياسات العمومية المؤطرة لإعادة التأهيل الحضري، ومقارنة الخطاب الرسمي بالآثار الملموسة على الأرض.

تحقيق يستنطق النصوص القانونية، ويقاطعها مع شهادات الساكنة، ويستحضر تجارب دولية في إعادة تأهيل المدن العتيقة دون تهجير قسري أو محو للذاكرة.

فهنا، لا يكون دور الصحافة مجرد نقل ما تهدم، بل مساءلة ما يُبنى، ولمن يُبنى، وعلى حساب أي حقوق، في مدينة لا تزال تبحث عن توازنها بين الحداثة والعدالة المجالية والكرامة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى