
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود الجدل مجدداً حول الطريقة التي تتعامل بها الأحزاب السياسية مع اللائحة الجهوية، التي تحولت في كثير من الأحيان من آلية لتعزيز التمثيلية النسائية والجهوية إلى وسيلة لتوزيع المقاعد المضمونة على المقربين وذوي النفوذ داخل الأحزاب.
الترشح ضمن اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس
وفي هذا السياق، تتجه زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، إلى الترشح ضمن اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة، في خطوة تثير العديد من علامات الاستفهام حول المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين لهذه اللوائح.
وتفيد معطيات متداولة بأن خيار اللائحة الجهوية لم يأتِ من باب الرغبة في تمثيل الجهة أو الدفاع عن قضاياها، بقدر ما جاء بعد تعذر تقديم الدريوش في دائرة محلية قادرة على خوض المنافسة المباشرة مع الناخبين. فالأصل في المسؤولين الحكوميين الذين يقدمون أنفسهم للانتخابات أن يختبروا وزنهم السياسي والشعبي داخل الدوائر الانتخابية، لا أن يبحثوا عن طرق مختصرة للوصول إلى البرلمان.
طبيعة العلاقة الموسمية التي تربط عددا من المرشحين بالمجالات الترابية
وتشير المعطيات نفسها إلى أنه جرى تسريع إجراءات تسجيل عنوان إقامة لها داخل الجهة من أجل استيفاء شروط الترشح، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة الموسمية التي تربط عددا من المرشحين بالمجالات الترابية التي يختارونها عند اقتراب الاستحقاقات الانتخابية فقط.
غير أن القضية تتجاوز حالة الدريوش وحدها، لتطرح إشكالاً أعمق يتعلق بالفلسفة التي أصبحت تحكم تدبير اللوائح الجهوية. فهذه الآلية التي كان يفترض أن تفتح المجال أمام النساء ذوات الحضور الميداني والكفاءة والارتباط الحقيقي بقضايا الجهات، تحولت لدى عدد من الأحزاب إلى ملاذ انتخابي آمن لإعادة تدوير النخب الحزبية والإدارية، وتأمين مقاعد جاهزة لأسماء قد تجد صعوبة في إقناع الناخبين داخل الدوائر المحلية.
تحولت اللائحة الجهوية لاحتياطي انتخابي يتم اللجوء إليها كلما تعذر فرض مرشح أو مرشحة عبر صناديق الاقتراع
ويبدو أن بعض الأحزاب لم تعد تنظر إلى اللائحة الجهوية باعتبارها أداة للإنصاف السياسي وتوسيع المشاركة، بل باعتبارها احتياطياً انتخابياً يتم اللجوء إليه كلما تعذر فرض مرشح أو مرشحة عبر صناديق الاقتراع المباشرة.
وهكذا تتحول اللوائح التي يفترض أن تمنح الفرصة للكفاءات الجهوية إلى فضاء مغلق تحتكره القيادات الحزبية لتوزيع الامتيازات السياسية.
ويزداد هذا الجدل حدة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين حكوميين يرتبط أداؤهم العمومي بانتقادات متزايدة. فالدريوش تدخل السباق الانتخابي في ظل استمرار الشكاوى المرتبطة بارتفاع أسعار الأسماك، وعلى رأسها السردين.
مستقبل اللائحة الجهوية يفرض نفسه
وكذلك استمرار هيمنة الوسطاء والمضاربين على جزء مهم من مسالك التسويق والتوزيع، فضلاً عن الانتقادات التي يوجهها مهنيون لسياسات القطاع ومحدودية أثر الإجراءات المتخذة لمعالجة اختلالاته.
لذلك فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط باسم المرشحة، بل بمستقبل اللائحة الجهوية نفسها.
فإما أن تبقى آلية لتوسيع المشاركة السياسية وإبراز الكفاءات النسائية ذات الامتداد الترابي الحقيقي، وإما أن تستمر في التحول إلى باب خلفي للبرلمان، يُمنح من خلاله المقعد لمن تعجز الأحزاب عن ضمان فوزه في مواجهة الناخبين.





