الرئسيةذاكرةشواهد على التاريخمجتمع

60 عاماً من البحث…رحيل محامي بن بركة

توفي في باريس، عن عمر ناهز 97 عاما، المحامي الفرنسي من أصول مغربية موريس بوتان، أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بقضية اختطاف واختفاء المعارض والقيادي اليساري المغربي المهدي بن بركة، والتي ظلت لأكثر من ستة عقود واحدة من أكثر الملفات السياسية والقضائية غموضا في العلاقات المغربية الفرنسية.

وأعلنت أسرة المهدي بن بركة، الأحد 9 غشت 2026، وفاة بوتان، معربة عن حزنها العميق لفقدان رجل لم تر فيه مجرد محامٍ تولى الدفاع عن مصالحها، وإنما صديقاً قريباً و«شبه أخ» رافق العائلة طوال عقود، وظل وفياً لقضية البحث عن الحقيقة والعدالة.

وقال بشير بن بركة، نجل المهدي بن بركة، في بيان باسم الأسرة، إن بوتان ظل محامي العائلة لأكثر من ستين عاماً، وكرس جزءاً كبيراً من حياته لـ«النضال من أجل الحقيقة والعدالة والذاكرة».

وترجع علاقة بوتان بأسرة بن بركة إلى الأيام الأولى التي أعقبت اختفاء المهدي في باريس في أكتوبر 1965. فقد اختارت والدته المحامي الفرنسي للدفاع عن مصالح الأسرة، فيما كان بن بركة نفسه قد أوصى، قبل اختفائه، شقيقاته باللجوء إلى بوتان إذا ما تعرض لأي مكروه.

وبعد وفاة والدة بن بركة، وتقديم الأسرة سنة 1975 شكاية تتعلق بالاختطاف والاحتجاز التعسفي والقتل، واصل بوتان معركته القانونية دون انقطاع. ومع مرور السنوات، أصبح المحامي الوحيد الذي بقي على قيد الحياة من فريق الدفاع عن الطرف المدني، بعد وفاة زميليه جيرمان سينيشال وليو ماتاراسو.

ولم يقتصر دوره على الترافع أمام القضاء، إذ راكم بوتان معرفة واسعة بتاريخ المغرب السياسي وبملابسات القضية، وساهم في مساعدة قضاة التحقيق والمحكمة التي نظرت في الملف خلال عامي 1966 و1967 على فهم السياق السياسي الذي أحاط باختطاف بن بركة.

كما أجرى تحقيقات خاصة، وبحث عن شهود ووثائق، وواصل الضغط من أجل تجاوز ما اعتبرته الأسرة عراقيل سياسية حالت دون الوصول إلى الحقيقة الكاملة. وظل طوال هذه السنوات على اتصال بمسؤولين سياسيين فرنسيين ومغاربة، كما ساعد قضاة التحقيق الذين تعاقبوا على الملف في فك خيوطه المعقدة.

وبذلك، تحول اسم موريس بوتان إلى جزء لا ينفصل عن قضية بن بركة، بعدما جعل من كشف مصير المعارض المغربي قضية ممتدة عبر الأجيال، لا مجرد ملف قضائي عابر.

من المغرب إلى فلسطين

ولد موريس بوتان في مدينة مكناس، وعاش مرحلة الحماية الفرنسية بالمغرب، حيث اشتغل محامياً ودافع عن عدد من الوطنيين والمناضلين المناهضين للاستعمار. وبعد استقلال المملكة، واصل انخراطه في الدفاع عن عدد من الديمقراطيين والنشطاء السياسيين.

لكن مسيرته الحقوقية تجاوزت القضية المغربية. فمنذ يونيو 1967، جعل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إحدى القضايا المركزية في نشاطه، وانخرط في عدد من الهيئات الفرنسية المتضامنة مع فلسطين والعالم العربي، من بينها جمعية التضامن الفرنسي-العربي وجمعية التضامن فرنسا-فلسطين.

كما تولى الرئاسة الشرفية لـ«لجنة اليقظة من أجل سلام حقيقي في الشرق الأوسط»، وشارك في تنظيم مؤتمرات وفعاليات، ووجه رسائل إلى رؤساء وحكومات ووزراء فرنسيين، مطالباً باعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية.

وجعل هذا النشاط من بوتان شخصية معروفة في الأوساط الحقوقية المتضامنة مع القضية الفلسطينية، قبل أن يُمنح لاحقاً صفة «مواطن شرفي لفلسطين».

وامتدت مواقفه المناهضة للحروب إلى العراق أيضاً، إذ عارض الغزو الأميركي للعراق، وظل مدافعاً عن قضايا عربية وفلسطينية داخل فرنسا وأوروبا.

رحيل المحامي وبقاء السؤال

ورغم تقدمه في السن وانتقاله خلال السنوات الأخيرة من باريس إلى منطقة فوكلوز جنوب فرنسا برفقة زوجته مادو، لم يتخل بوتان عن القضايا التي رافقته طوال حياته. وظلت قضية المهدي بن بركة في مقدمة الملفات التي تشغل اهتمامه، إلى جانب دفاعه عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وقالت أسرة بن بركة إن بوتان ظل، حتى سنواته الأخيرة، يتطلع إلى معرفة الحقيقة الكاملة حول مصير المهدي، معربة عن اعتقادها بأن رحيله سيترك فراغاً كبيراً لدى المغاربة والفلسطينيين وكل من عرف مسيرته الحقوقية.

وأكد بشير بن بركة أن موريس بوتان «سيظل حياً في قلوبنا»، وأن ما تركه من إصرار وتفاؤل وإيمان بالعدالة سيشكل حافزاً للأسرة لمواصلة البحث عن الحقيقة.

وتعود قضية المهدي بن بركة إلى 29 أكتوبر 1965، حين اختُطف المعارض المغربي في العاصمة الفرنسية باريس، قبل أن يختفي أثره في واحدة من أكثر القضايا السياسية غموضاً في تاريخ المغرب وفرنسا الحديث.

وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال مصير بن بركة ومكان رفاته مجهولين بشكل نهائي، فيما رحل أحد أبرز المدافعين عن قضيته دون أن يحصل على الإجابة التي ظل يبحث عنها طوال حياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى