أقصبي : لماذا فشلت رهانات النموذج الاقتصادي المغربي؟
تحرير: جيهان مشكور
هناك لحظات لا تحتاج فيها الدول إلى إعلان فشل سياساتها، لأن الأرقام تتكفل بذلك، ومع اقتراب المغرب من محطة انتخابية جديدة، عاد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي نجيب أقصبي إلى النقاش العمومي، لكن ليس لخوض سجال سياسي أو الانخراط في “حملة انتخابية مبكرة”، بل لطرح سؤال يعتبره أكثر إلحاحا من أسماء الحكومات وبرامجها: “لماذا لم ينجح النموذج الاقتصادي المغربي، رغم عشرات الاستراتيجيات والإصلاحات، في تحقيق تنمية حقيقية؟
الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي ـ أرشيف
بالنسبة لأقصبي، وفق مداخلة له مسجلة على الفيديو، فإن تقييم حصيلة الحكومة المنتهية ولايتها يظل ضرورة ديمقراطية يفرضها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن اختزال النقاش في خمس سنوات من التدبير يخفي إشكالا أعمق، يتمثل في الاختيارات الاقتصادية الكبرى التي حكمت المغرب منذ عقود، والتي باتت، في نظره، تستوجب مراجعة شاملة بعدما اصطدمت بحدودها الموضوعية.
وقد جاءت هذه العودة بمناسبة تقديم مؤلف علمي أعده باحثون وأكاديميون حول القضايا التي اشتغل عليها طوال مساره البحثي، غير أن أقصبي رفض أن يكون اللقاء مناسبة للاحتفاء بشخصه، بل حوله الى مساحة للنقاش العمومي، معتبرا أن قيمة البحث العلمي لا تكمن في إنتاج اليقين، بل في إثارة الأسئلة التي تدفع المجتمع إلى مراجعة مسلّماته، لأن المجتمعات، في نظره، تتقدم بالنقد والتقييم أكثر مما تتقدم بالاحتفاء بالأشخاص.
رهانان كبيران… ونتائج لا ترقى إلى الطموحات
ينطلق أقصبي من فكرة بسيطة، لكنها تحمل دلالات عميقة؛ فالمغرب لم يصل إلى وضعه الاقتصادي الحالي بالصدفة، بل نتيجة رهانات استراتيجية واضحة.. أول هذه الرهانات كان بناء اقتصاد يقوده القطاع الخاص، باعتباره الفاعل الرئيسي في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل، بينما تمثل الرهان الثاني في تعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي، عبر تحرير المبادلات التجارية، وتوقيع اتفاقيات التبادل الحر، وجعل الانفتاح على الأسواق الخارجية رافعة للنمو، باعتباره الطريق الأسرع نحو التنمية والاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية.
لكن بعد عقود من تطبيق هذين الخيارين، يتساءل أقصبي: ماذا كانت الحصيلة؟
بالنسبة لأقصبي، لم يتحول القطاع الخاص إلى القاطرة التي كان يُنتظر منها قيادة الاقتصاد، كما أن العولمة لم تحقق الوعود التي رافقتها.. بل إن الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا وصولا إلى اضطرابات التجارة الدولية، كشفت هشاشة الاقتصادات التي بنت أمنها الاقتصادي على الخارج، وأعادت حتى الدول الليبرالية إلى الحديث عن السيادة الاقتصادية والغذائية والطاقية.
وبالنسبة للمغرب وبعد ازيد من أربعة عقود من تبني هذه الاختيارات، لا يزال الاقتصاد المغربي يسجل معدلات نمو متواضعة ومتقلبة، لا تتجاوز في المتوسط 3 إلى 4 %، فيما يبقى النمو شديد الارتباط بالتساقطات المطرية، رغم أن مساهمة القطاع الفلاحي في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز نحو 12%، أما البطالة، فقد واصلت منحاها التصاعدي، لتناهز، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، 13.3% سنة 2024، مع نسب أعلى بكثير في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
أزمة قطاع خاص… أم أزمة نموذج؟
أكثر ما يثير انتباه أقصبي هو أن الدولة نفسها أصبحت تعترف، بشكل غير مباشر، بوجود خلل في أحد أهم أعمدة النموذج الاقتصادي، وهو الاستثمار الخاص، ويستشهد في هذا السياق بتصريحات والي بنك المغرب، الذي أقر بأن القطاع الخاص لا يستثمر بالوتيرة التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، رغم التحفيزات والدعم العمومي.
غير أن أقصبي يرفض اختزال المشكلة في ضعف المبادرة الفردية، ويرى أن السؤال الحقيقي يتعلق بطبيعة القطاع الخاص الذي أنتجه النموذج الاقتصادي المغربي، فاقتصاد يقوم، في جزء منه، على الامتيازات والاحتكارات والريع، لا يمكنه أن يفرز مقاولات تنافسية قادرة على الابتكار والمغامرة والاستثمار طويل الأمد، لذلك يدعو إلى التمييز بين اقتصاد السوق الحقيقي، الذي يقوم على المنافسة وتكافؤ الفرص، وبين اقتصاد تتحول فيه السوق إلى واجهة تخفي علاقات نفوذ ومصالح متشابكة.
ومن هنا يطرح سؤالا يعتبره حاسما: كيف يمكن بناء برجوازية وطنية مستقلة، تستثمر لأنها تؤمن بالإنتاج وخلق القيمة، لا لأنها تستفيد من الامتيازات والحماية؟
التنمية تبدأ من السياسة قبل الاقتصاد
لا يكتفي أقصبي بتشخيص أعطاب السوق، بل يربطها بطبيعة المؤسسات التي تؤطرها، فالدعوات المتكررة إلى بناء “دولة استراتيجية” أو “دولة ضابطة” أو “دولة مسهلة”، تبقى، في رأيه، مجرد عناوين جذابة إذا لم تقترن بآليات فعلية للمحاسبة والتقييم.
ويتساءل: كيف يمكن الحديث عن دولة استراتيجية دون متابعة دقيقة لتنفيذ الاستراتيجيات العمومية؟ وكيف يمكن تقييم نجاح النموذج التنموي الجديد بعد مرور خمس سنوات على إطلاقه، إذا لم يخضع لنقاش عمومي ولتقييم مستقل يقيس ما تحقق وما تعثر؟ ثم كيف يمكن لدولة أن تضبط قواعد المنافسة إذا كانت مؤسسات الحكامة والضبط لا تتمتع بما يكفي من الاستقلالية والفعالية واحيانا تكون طرفا في الريع؟
ويمتد التساؤل إلى علاقة الدولة بالمستثمرين، حيث يرى أن الدعم العمومي، سواء اتخذ شكل إعفاءات ضريبية أو تسهيلات عقارية أو تمويلات، ينبغي أن يرتبط بعقد واضح يحدد ما الذي سيقدمه المستثمر للمجتمع في المقابل: كم منصب شغل سيوفر؟ وما حجم القيمة المضافة التي سيخلقها؟ وما أثر مشروعه على الاقتصاد الوطني؟ فالدولة، في نظره، مطالبة بأن تكون شريكا يحفز الاستثمار، لكنها أيضا مطالبة بحماية المال العام وربط الامتيازات بالنتائج… وفي جوهر هذا التشخيص، يخلص نجيب أقصبي إلى أن أزمة المغرب ليست أزمة نمو اقتصادي فحسب، بل أزمة نموذج تنموي ومؤسساتي يحتاج إلى مراجعة عميقة.
التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو تضاعف في الاستثمارات
لا ينتهي أقصبي إلى إعلان وفاة النموذج الاقتصادي المغربي بقدر ما يدعو إلى إخضاعه لمراجعة شاملة.. فالتنمية، كما يؤكد، ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو تضاعف في الاستثمارات، بل هي قبل ذلك بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على إنتاج الثقة، وضمان المنافسة، ومحاسبة المسؤولين، وتوجيه الاقتصاد نحو خدمة المجتمع لا العكس.
لهذا، فإن السؤال الذي يطرحه لا يتعلق فقط بكيفية تحقيق النمو، بل بنوعية الدولة التي تستطيع أن تجعل هذا النمو مستداماً وعادلاً.. ومن هنا تبدأ، في نظره، المراجعة الحقيقية لرهانات التنمية في المغرب، وهو ما يمهد، في نظره، للنقاش الأكبر حول مفهوم “السيادة الاقتصادية”، الذي سيشكل محور المرحلة المقبلة من هذا الحوار الفكري.