اقتصادالرئسية

لماذا تعتبر أوروبا الإنتاج الصناعي للمغرب إنتاجها؟

“صنع في أوروبا”… حين يتحول المغرب من الحديقة الخلفية إلى المصنع الخلفي للقارة العجوز

تحرير: جيهان مشكور

لم يعد السؤال اليوم يتعلق بعدد مصانع السيارات التي نجح المغرب في استقطابها، ولا بحجم السيارات التي تغادر موانئه نحو الأسواق الأوروبية، بل بما إذا كانت هذه النجاحات الصناعية تعني فعلاً انتقال الاقتصاد الوطني إلى مرحلة التصنيع الحقيقي، أم أنها تعكس فقط انتقال أوروبا إلى مرحلة جديدة من إعادة توزيع مصانعها خارج حدودها، مع الاحتفاظ بكل عناصر القيمة المضافة داخل القارة.

هذا السؤال عاد بقوة بعد مطالبة الرابطة الأوروبية لمصنعي السيارات (ACEA) المفوضية الأوروبية باحتساب السيارات المصنعة في المغرب وتركيا والمملكة المتحدة ضمن فئة “صنع في أوروبا”، حماية للاستثمارات الأوروبية وسلاسل التوريد التي بنتها الشركات خلال العقود الماضية.

حين تكشف أوروبا حقيقة الأدوار

تكمن المفارقة اللافتة في الخطاب الرسمي المغربي الذي ظل لسنوات يحتفي بكون المملكة أصبحت “منصة صناعية عالمية”، بينما جاء موقف أكبر لوبي لصناعة السيارات الأوروبية ليكشف زاوية مختلفة؛ فهذه المصانع، في نظر أصحابها، ليست صناعة مغربية مستقلة، وإنما امتداد طبيعي للمنظومة الصناعية الأوروبية، إلى درجة المطالبة باحتساب إنتاجها ضمن الإنتاج الأوروبي نفسه.

وإذا كان المغرب يوصف تاريخياً بأنه “الحديقة الخلفية” لأوروبا، حيث توجه مساحات واسعة من الإنتاج الفلاحي نحو الموائد الأوروبية قبل السوق الوطنية، فإن التطور الجديد يوحي بأن المملكة تتحول تدريجياً إلى “المصنع الخلفي” للقارة، حيث تنقل خطوط الإنتاج كثيفة العمالة خارج الاتحاد الأوروبي، بينما تبقى مراكز القرار والبحث والتطوير والملكية الفكرية والأرباح الكبرى داخل أوروبا.

أرقام براقة… ولكن لمن تذهب القيمة؟

لا خلاف حول المكانة التي بلغها قطاع السيارات في المغرب.. فقد تجاوزت صادراته خلال السنوات الأخيرة 157 مليار درهم، وفق معطيات مكتب الصرف، ليصبح أول قطاع تصديري في المملكة، كما تصل الطاقة الإنتاجية لمصانع رونو وستيلانتيس، خصوصاً مصنع القنيطرة، إلى 700 ألف سيارة سنويا، مع توقعات بتجاوز المليون سيارة خلال السنوات المقبلة

لكن هذه الأرقام تخفي سؤالاً أكثر أهمية: كم تبلغ القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد المغربي من كل سيارة تغادر موانئ طنجة والقنيطرة؟

الجواب يكمن في طبيعة النموذج الصناعي نفسه، فمعظم التكنولوجيا، والتصميم، والبحث والتطوير، والبراءات، والقرارات الاستراتيجية، وحتى التسويق العالمي، تبقى في مقرات الشركات الأم داخل أوروبا، أما المغرب فيقدم الأرض، والإعفاءات الضريبية، والبنيات التحتية الممولة من المال العام، ويداً عاملة تعد من الأقل تكلفة في حوض المتوسط، مقابل هوامش ربح محدودة مقارنة بما تحققه الشركات المالكة للعلامات التجارية.

ثمن الاستثمارات… امتيازات بلا نقاش مجتمعي

راهن المغرب خلال العقدين الماضيين، على جذب المستثمرين عبر حزمة واسعة من الامتيازات؛ مناطق صناعية مجهزة، إعفاءات وتحفيزات ضريبية، تسهيلات عقارية، دعم للتكوين، واستثمارات عمومية ضخمة في الموانئ والطرق واللوجستيك.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت هذه الكلفة العمومية انعكست فعلاً على جودة التشغيل والدخل الوطني ونقل التكنولوجيا، أم أنها كرست نموذجاً يقوم أساساً على انخفاض كلفة الإنتاج، فالأجور في قطاع الصناعة المغربية تبقى أقل بكثير من نظيرتها الأوروبية، بينما تستمر منظمات نقابية في إثارة قضايا تتعلق بالأجور وظروف العمل والاستقرار المهني.

“صنع في أوروبا”… اعتراف يكشف أكثر مما يخفي

إصرار الرابطة الأوروبية على اعتبار السيارات المنتجة في المغرب سيارات أوروبية ليس مجرد تعديل قانوني، بل رسالة سياسية واقتصادية واضحة؛ فبالنسبة لأوروبا، لا يزال المغرب جزءاً من منظومتها الإنتاجية الخارجية، وليس منافساً صناعياً مستقلاً.

وربما تكمن المفارقة الأكبر هنا: فبينما يُقدَّم توطين المصانع للرأي العام باعتباره دليلاً على السيادة الصناعية، فإن أصحاب تلك المصانع أنفسهم يطالبون اليوم بأن يبقى كل ما يُنتج فوق التراب المغربي محسوباً ضمن الإنتاج الأوروبي، إنها مفارقة تعيد فتح نقاش قديم بصيغة جديدة: هل نجح المغرب في بناء صناعة وطنية حقيقية، أم نجح فقط في أن يصبح الورشة منخفضة الكلفة التي تحتاجها أوروبا للحفاظ على تنافسيتها العالمية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى