
عادت قضية شركة “ديماغاز”، الموزع السابق لغاز البوتان بالمغرب، إلى واجهة القضاء التجاري، لتسلط الضوء مجدداً على واحدة من أكبر ملفات التعثر المالي في قطاع توزيع المحروقات والغاز.. ما يجري اليوم في ملف ديماغاز ليس مجرد نزاع حول ديون أو خلاف بين بنك ومدين..
إنه المشهد الأخير في قصة أطول بكثير؛ قصة تبدأ حين تتدفق مئات الملايين من الدراهم إلى السوق تحت عنوان “تمويل الاستثمار”، وتنتهي بعد سنوات داخل قاعات المحاكم، حيث تتحول القروض إلى ملفات خبرة، والضمانات إلى عقارات معروضة للبيع، والمليارات إلى أرقام تنتظر حكماً قضائياً.. لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: بكم تدين ديماغاز؟ بل: كيف وصلت المديونية إلى هذا المستوى قبل أن تدق أجراس الإنذار؟
حين تختلف الخبرات… تتحدث المليارات
انصب النقاش القضائي خلال أولى جلسات شهر يوليوز 2026، على الخبرة المضادة التي تقدم بها القرض الفلاحي للمغرب للطعن في نتائج الخبرة السابقة، فبعدما كانت الخبرة الأولى قد حددت قيمة الدين في نحو 197.5 مليون درهم، انتهت الخبرة الجديدة، المنجزة بعد أكتوبر 2025، إلى تقدير المبلغ المستحق في حدود 315.678.228 درهماً، وهو رقم يكاد يطابق القيمة التي يتمسك بها البنك منذ بداية النزاع.
ووفق المعطيات المعروضة أمام المحكمة، يتوزع هذا المبلغ بين 209.5 مليون درهم تمثل الرصيد المدين للحساب الجاري، و 106.1 مليون درهم تخص قرضاً متوسط الأجل، ما يجعل نتائج الخبرة المضادة عنصراً أساسياً في تحديد المسار النهائي للقضية، حيت يصبح كل رقم موضوع نزاع، وكل وثيقة محل تدقيق، وكل درهم قابلاً لإعادة الاحتساب.
التنفيذ العقاري يعود إلى الواجهة
بالتوازي مع المسطرة القضائية، أعاد القرض الفلاحي للمغرب تفعيل إجراءات التنفيذ العقاري استناداً إلى أمر إطار تبلغ قيمته 65.5 مليون درهم إضافة إلى الفوائد القانونية، وهو ما قد يقود إلى الحجز على عقار تملكه الشركة بمدينة المحمدية وبيعه بالمزاد العلني إذا استوفت الإجراءات القانونية شروطها.
وتعكس هذه الخطوة لجوء المؤسسات البنكية إلى مختلف الضمانات القانونية المتاحة لاسترجاع مستحقاتها، خاصة في الملفات التي تعرف تعثراً طويل الأمد، حيث تصبح الضمانات العقارية آخر الوسائل المتبقية لتقليص حجم الخسائر.
مليارا درهم من الديون… صورة لأزمة مالية معقدة
غير أن ملف القرض الفلاحي ليس سوى جزء من أزمة مالية أوسع، إذ تشير المعطيات إلى أن إجمالي المديونية البنكية لمجموعة ديماغاز يقترب من ملياري درهم، وهو رقم يعكس حجم التعثر الذي عرفته الشركة خلال السنوات الماضية.
ويتصدر “بنك الشعب الشمال الغربي” قائمة الدائنين بمطالبات لا تقل عن 1.1 مليار درهم، يليه “بنك أفريكا” بحوالي 332 مليون درهم، ثم “بنك سهام” بنحو 205 ملايين درهم، بينما ينتظر القرض الفلاحي صدور حكم نهائي بشأن دعوى الأداء التي رفعها لاستكمال ترتيب حقوقه ضمن قائمة الدائنين.
هذه ليست أرقاماً عادية.. إنها تعكس حجم الموارد المالية التي خرجت من الدورة الاقتصادية لتستقر داخل النزاعات القضائية، وكلما طال أمد هذه الملفات، ازدادت كلفة الأموال المجمدة، وارتفع الثمن الذي يؤديه الاقتصاد الحقيقي.
رسائل اقتصادية تتجاوز حدود الملف
وتبرز هذه القضية التحديات التي تواجهها المنظومة البنكية في تدبير ملفات التعثر الكبرى، خاصة وأن “بنك المغرب” يواصل التحذير في تقاريره السنوية من ارتفاع حجم القروض المتعثرة داخل القطاع البنكي، والتي تجاوزت في السنوات الأخيرة 97 مليار درهم، بما يمثل ما يقارب 9 في المائة% من إجمالي القروض الممنوحة للاقتصاد.
وفي المقابل، تؤكد قضية ديماغاز أن تعثر المقاولات الكبرى لا يقتصر أثره على البنوك وحدها، بل يمتد إلى الاستثمار وسلاسل التوريد والدائنين والمستخدمين، في وقت تكشف فيه المعطيات أن محاولات بيع أصول الشركة قضائياً لم تحقق النتائج المرجوة، فيما توسعت المتابعات لتشمل الشركات الضامنة، إضافة إلى الذمة المالية الشخصية لمسيّر الشركة نجيب الجراري، في انتظار ما ستسفر عنه الأحكام القضائية النهائية.





