الرئسيةرأي/ كرونيك

من فرحة المونديال إلى فرصة لإنقاذ الوطن

بقلم: أحمد دابا

ما يحققه المنتخب المغربي في مونديال 2026 ليس مجرد إنجاز رياضي جديد، بل لحظة وطنية استثنائية تهز وجدان كل مغربية وكل مغربي، لحظة يذوب فيها الاختلاف، وترتفع فيها الراية المغربية فوق كل الانتماءات، ويشعر الجميع أن هذا الوطن قادر على أن يحلم، وأن ينتصر، وأن يفرض اسمه بين كبار العالم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا بعد؟

هل سنسمح، مرة أخرى، بأن تنتهي هذه الفرحة مع صافرة النهاية، أم نجعل منها بداية لفرحة أكبر وأعمق وأدوم، فرحة يشعر بها المغاربة في حياتهم اليومية، في مدارس أبنائهم، وفي مستشفياتهم، وفي فرص الشغل، وفي العدالة، وفي الحرية، وفي الكرامة؟

إذا كان أسود الأطلس قد أثبتوا شيئا، فهو أن المغرب لا تنقصه الكفاءات ولا الإمكانات، وإنما يحتاج إلى شروط النجاح نفسها التي صنعت هذا المنتخب: الثقة، والاستحقاق، والعمل الجماعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لهذا، فإن أجمل احتفاء بهذا الإنجاز التاريخي لن يكون باستثماره سياسيا لتزكية الأمر الواقع أو الإيحاء بأن كل شيء على ما يرام، بينما يعرف الجميع حجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها المغرب. بل سيكون الاحتفاء الحقيقي بتحويل هذا “الإجماع الوطني” إلى فرصة لإطلاق إصلاحات كبرى تعيد الأمل للمغاربة.

إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف ومعتقلو جيل زد

إصلاحات تبدأ بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، وفي مقدمتهم معتقلو حراك الريف، ومعتقلو جيل زد، والمدونون، وعلى رأسهم سعيدة العلمي، لأن الأوطان القوية لا تخشى الكلمة، ولا تعتبر الرأي المختلف تهديدًا لها.

وتستمر بإرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد، عبر قوانين صارمة تجعل العبث بالمال العام واستغلال النفوذ جريمة في حق الوطن، لأن الفساد ليس مجرد مخالفة إدارية، بل أحد أكبر أسباب الفقر والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وتعطيل التنمية.

كما تقتضي فتح مسار سياسي جديد، يقوم على انتخابات نزيهة، وتنافس حقيقي، وتداول فعلي على السلطة، بما يعيد الثقة للمواطن في السياسة وفي المؤسسات.

وفي المغرب، فإن مبادرات بهذا الحجم لا يمكن أن تنجح إلا إذا انطلقت من أعلى هرم الدولة، لذلك، فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على المؤسسة الملكية، باعتبارها أعلى سلطة في البلاد، لفتح مسار سياسي جديد ومختلف، يضع المغرب على سكة إصلاحات عميقة قبل فوات الأوان.

فمثل هذه اللحظات الوطنية الجامعة لا تتكرر كثيرا، وإذا لم تتحول إلى فرصة للمصالحة مع المجتمع وتجديد العقد السياسي، فقد تضيع كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.

فرحة العدالة والحرية والتنمية والكرامة هي التي تصنع استقرار الأوطان

إن فرحة كرة القدم، مهما كانت عظيمة، تبقى مؤقتة. أما فرحة العدالة، والحرية، والتنمية، والكرامة، فهي التي تصنع استقرار الأوطان، وهي التي تحفظ تماسكها، وهي التي تجعل المواطنين أكثر استعدادًا للدفاع عنها والعمل من أجلها.

لقد منحنا أسود الأطلس درسًا بليغًا: عندما تتوفر الرؤية، والثقة، والكفاءة، يحقق المغاربة ما كان يبدو مستحيلاً.

ويبقى الأمل أن يتحول هذا الانتصار الرياضي إلى بداية انتصار أكبر… انتصار للمغرب نفسه، وللمغاربة جميعا، حتى لا يعودوا، بعد انطفاء أضواء المونديال، إلى مواجهة ضنك العيش، واتساع الفوارق، وتراجع الخدمات العمومية، وشعور متزايد بأن أبواب المشاركة والإصلاح تضيق أكثر فأكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى