الرئسيةسياسة

الاشتراكي الموحد على صفيح ساخن مع قرب الانتخابات

اليسار الذي يأكل أبناءه..

تحرير: جيهان مشكور

يبدو أن اليسار المغربي لم يعد يحتاج إلى خصوم سياسيين بقدر ما يحتاج إلى هدنة مع نفسه، فكلما رفع شعارات الديمقراطية والتعددية، خرجت من داخله أزمة جديدة تضع تلك الشعارات أمام اختبار قاسٍ، وآخر فصول هذا المشهد إعلان 56 مناضلاً ومناضلة استقالتهم الجماعية من الحزب الاشتراكي الموحد، في خطوة لا يمكن اختزالها في مجرد خلاف تنظيمي، بل هي حلقة جديدة في مسلسل استنزاف سياسي مزمن، عنوانه العريض: “اليسار الذي يستهلك طاقته في الصراعات الداخلية أكثر مما يستهلكها في معارضة السياسات العمومية.”

فبينما يرزح المواطن تحت وطأة الغلاء وارتفاع البطالة وتراجع القدرة الشرائية، يبدو أن بعض مكونات اليسار تخوض معركتها الكبرى حول من يملك الحزب، لا حول من يملك مشروعاً لإنقاذ المجتمع.

بلاغ الاستقالة… اتهامات تهز صورة الحزب

لم يترك بلاغ المستقيلين مساحة كبيرة للتأويل، إذ أكد أن قرار المغادرة جاء بعد “استنفاد كل محاولات الحوار الرفاقي”، متهماً القيادة الحالية بـ”التعنت والإقصاء والانحراف عن الخط التقدمي”.. كما أعلن أصحاب الاستقالة التحاقهم بمشروع “تيار اليسار الجديد المتجدد”، الذي يقدم نفسه باعتباره حراكاً يسارياً مستقلاً يسعى إلى إعادة بناء اليسار المغربي.

وبحسب البلاغ، فإن المستقيلين يمثلون فروعاً من تمارة والصخيرات وتارودانت ومولاي يعقوب وبيوكرى وأكادير وبوزنيقة والدار البيضاء وورزازات وفاس والجديدة وتازة، إضافة إلى فروع الحزب بفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا، وهو ما يعكس، إذا صح ما ورد في البلاغ، أن الأزمة تجاوزت بعدها المحلي لتطال امتدادات الحزب خارج المغرب.

من فصل الحروني إلى انفجار الخلافات

لم يكن هذا التطور مفاجئاً، فمنذ قرار المكتب السياسي، نهاية أبريل الماضي، فصل العلمي الحروني من الحزب بدعوى ارتكابه “تجاوزات تنظيمية وسلوكية خطيرة”، كانت كل المؤشرات توحي بأن الشرخ أصبح أعمق من أن تلتئم جراحه ببلاغات التهدئة.

تيار “اليسار الجديد المتجدد” اعتبر، في بياناته السابقة، أن ما جرى يعكس هيمنة قيادة تمارس الإقصاء وتضيق بالاختلاف، فيما تمسكت قيادة الحزب بقرارها التنظيمي، وبين الروايتين، تحولت الخلافات حول الترشيحات الانتخابية، وموقع الحزب داخل فيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى وقود إضافي لأزمة لم تعد تخفى على أحد.

أزمة تتجاوز الحزب… إنها أزمة اليسار المغربي

لم تعد المشكلة اليوم في عدد المستقيلين، بل في الرسالة السياسية التي يحملها هذا الانشقاق. فاليسار المغربي، الذي كان في مراحل تاريخية مدرسة في النقاش الفكري وإنتاج النخب، يجد نفسه اليوم أسير نزاعات تنظيمية تستنزف ما تبقى من رصيده.

والأكثر إثارة للسخرية أن الأحزاب التي تنادي بتوسيع الديمقراطية داخل الدولة تجد نفسها، في كل أزمة تقريباً، مطالبة أولاً بإقناع الرأي العام بأنها قادرة على تدبير الديمقراطية داخل مقراتها، إنها مفارقة قاسية؛ فمن يعجز عن إدارة اختلاف بين عشرات المناضلين، كيف سيقنع المواطنين بأنه قادر على إدارة اختلافات مجتمع بأكمله؟

سياسياً، تأتي هذه التطورات في سياق يعرف فيه اليسار تراجعاً انتخابياً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، مقابل صعوبة استقطاب الشباب وتجديد النخب. أما اجتماعياً، فإن استمرار هذه الانقسامات يوسع هوة العزوف عن العمل الحزبي، ويغذي قناعة متزايدة لدى فئات واسعة بأن الأحزاب أصبحت تنشغل بصراعاتها أكثر من انشغالها بمشكلات المواطنين.

روايتان… والحقيقة تنتظر

في المقابل، نفى الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، توصله بأي لائحة رسمية للمستقيلين، مؤكداً أنه لا علم له بهذه الاستقالات إلى حدود تصريحه، وبين ما يؤكده البلاغ وما تقوله القيادة، تبقى الندوة الصحافية التي أعلن عنها المستقيلون محطة منتظرة لتوضيح مزيد من التفاصيل.

لكن، بعيداً عن تفاصيل هذا الخلاف، فإن الصورة العامة تبدو أكثر إيلاماً: يسار يتحدث كثيراً عن التغيير، لكنه يجد نفسه، مرة بعد أخرى، عاجزاً عن تغيير أسلوب إدارة خلافاته.. وكأن قدره أن يظل منشغلاً بإعادة رسم حدود انقساماته، بينما يمضي المشهد السياسي من حوله دون أن ينتظر أحداً، ففي السياسة، لا يرحم التاريخ الأحزاب التي تستهلك سنواتها في صراع المرايا، حتى تستيقظ يوماً لتكتشف أن الجمهور غادر القاعة منذ زمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى