الرئسيةمجتمع

المقاول الذاتي.. أرقام تفضح التعثر

الأرقام تكشف هشاشة أحد أبرز مشاريع الإدماج الاقتصادي

كان نظام المقاول الذاتي يُقدَّم باعتباره بوابة لإدماج العاملين في القطاع غير المهيكل، وتشجيع المبادرة الفردية، وخلق فرص الشغل عبر مساطر مبسطة وإعفاءات ضريبية، غير أن الأرقام الرسمية الصادرة اليوم تكشف أن نجاح النظام في استقطاب المسجلين لم يواكبه نجاح مماثل في خلق نشاط اقتصادي حقيقي، ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة هذا الورش في تحقيق الأهداف التي أُطلق من أجلها.

ويفيد التقرير السنوي لأنشطة المديرية العامة للضرائب برسم سنة 2025 بأن عدد المسجلين في النظام بلغ 463 ألفاً و383 شخصاً، بزيادة 5% مقارنة بالسنة السابقة، بينما لم يتجاوز عدد المقاولين الذاتيين الذين يصرحون بمداخيلهم بانتظام ما بين 78 ألفاً و932 و84 ألفاً و342 شخصاً، وبذلك، فإن أقل من خمس المسجلين فقط يزاولون نشاطاً اقتصادياً مصرحاً به، في حين يبقى أكثر من 80% خارج دائرة التصريح المنتظم.

المعضلة أعمق من مجرد ضعف في التصريح

لا يبدو هذا التفاوت الكبير مجرد خلل إداري، بل يعكس صعوبة تحويل التسجيل القانوني إلى مشروع قادر على الاستمرار، فالمقاول الذاتي لا يحتاج إلى بطاقة تسجيل فحسب، بل إلى سوق تستوعب خدماته، وتمويل يمكنه من الانطلاق، ومواكبة تضمن استمراره في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة بلغ 13.3% خلال سنة 2024، مع مستويات أعلى بين الشباب وحاملي الشهادات، ما يدفع كثيرين إلى التسجيل في النظام بحثاً عن فرصة للعمل، قبل أن يصطدموا بصعوبة إيجاد الزبائن أو الولوج إلى التمويل أو منافسة القطاع غير المهيكل الذي لا يزال يوفر كلفة تشغيل أقل ويستقطب شريحة واسعة من الأنشطة.

نجاح إداري… وتعثر اقتصادي

تكشف هذه المعطيات أن تقييم نجاح النظام من خلال عدد المسجلين وحده لا يعكس الواقع الاقتصادي.. فالمؤشر الحقيقي لا يتمثل في عدد بطاقات التسجيل، وإنما في عدد المشاريع التي تستمر، وحجم المعاملات التي تحققها، ومدى مساهمتها في خلق الثروة وفرص الشغل.

ورغم الجهود المبذولة لتشجيع الإدماج، تؤكد المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط أن القطاع غير المهيكل ما يزال يشغل ملايين الأشخاص ويحتفظ بحضور قوي في الاقتصاد الوطني، وهو ما يعني أن انتقال الأنشطة إلى القطاع المنظم يتم بوتيرة أبطأ من الطموحات المعلنة.

نجاح في توسيع المسجلين دون القدرة على تحويله من زخم عددي لقوة منتجة

وفي المحصلة، تكشف أرقام المديرية العامة للضرائب أن نظام المقاول الذاتي نجح في توسيع قاعدة المسجلين، لكنه لا يزال يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في تحويل هذا الزخم العددي إلى مقاولات منتجة ومستدامة.

فالفارق بين أكثر من 463 ألف مسجل وأقل من 85 ألفاً يصرحون بمداخيلهم بانتظام ليس مجرد فجوة إحصائية، بل مؤشر على أن نجاح أي سياسة لدعم المبادرة الفردية لا يقاس بعدد المنخرطين، وإنما بقدرتها على خلق مشاريع تصمد أمام تحديات السوق وتساهم فعلياً في تنشيط الاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى