
من يملك صناعة الحلم الكروي في المغرب؟
لم تعد أكاديميات كرة القدم التي تحمل أسماء برشلونة وباريس سان جيرمان ويوفنتوس مجرد فضاءات لتدريب الأطفال، بل تحولت إلى جزء من سوق يبيع للأسر أكثر من حصة تدريبية: “يبيع الحلم”.. حلم طفل قد يصل إلى الاحتراف، وحلم أسرة ترى في اسم نادٍ أوروبي معروف طريقاً أقرب إلى ملاعب أوروبا.
لذلك، فإن قرار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم منع إحداث أكاديميات ومدارس خاصة تحمل أسماء أندية أجنبية أو ترتبط بها مباشرة، يتجاوز تغيير اللافتات ليعيد رسم حدود سوق التكوين نفسه.
حين يصبح الاسم جزءاً من المنتج
استفادت هذه المدارس من قوة العلامة الأوروبية لسنوات، والتي تختصر في ذهن الطفل والأسرة تاريخاً ونجومية ووعداً بالاحتراف.. وبحسب المعطيات المتداولة حول السوق، كانت رسوم بعض مؤسسات التكوين تتراوح بين 8 آلاف و15 ألف درهم سنوياً، فيما ارتفع الإقبال عليها بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في مونديال قطر.
لكن اتساع هذا النشاط جعل السؤال التنظيمي أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن تحمل المؤسسة اسماً عالمياً كي يضمن ذلك جودة التكوين؟ هنا يأتي توجه الجامعة نحو وضع شروط جديدة لإنشاء والاعتراف وتصنيف المدارس والأكاديميات الخاصة، في محاولة لنقل القيمة من قوة الشعار إلى جودة التأطير.
القرار يفتح حسابات السوق
غير أن إعادة تنظيم السوق لا تنتهي عند تغيير الاسم، فخلف كل أكاديمية استثمارات وعقود ومدربون وأطفال وأسر تؤدي الرسوم، وربما اتفاقيات تجارية مرتبطة بحق استعمال العلامة ، لذلك ستبرز أسئلة انتقالية لا تقل أهمية عن القرار نفسه: ما مصير المؤسسات القائمة؟ وما الآجال الممنوحة لها؟ وهل ستكتفي بتغيير هويتها التجارية أم ستضطر إلى إعادة بناء نموذجها بالكامل؟
ومن هذه النقطة تحديداً يتضح أن الجامعة لا تعيد ترتيب الواجهات فقط، بل تحاول ضبط “سلسلة القيمة التي تبدأ من اكتشاف الموهبة وتنتهي بالمنتخبات والأندية”.
من السوق المفتوح إلى المنظومة الوطنية
ينسجم هذا التوجه مع استثمار المغرب المتزايد في التكوين، من أكاديمية محمد السادس إلى مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي بلغت كلفة إنجازه نحو 630 مليون درهم، إلى دعم مراكز الأندية ومراكز التكوين الفدرالية.. ومع اقتراب مونديال 2030، لم تعد كرة القدم مجرد منافسة رياضية، بل أصبحت جزءاً من صورة المغرب واستراتيجيته في الدبلوماسية الرياضية وصناعة المواهب، لكن نجاح هذا التحول لن يقاس بعدد الشعارات الأجنبية التي ستختفي من الواجهات، بل بقدرة المنظومة الوطنية على تقديم “تكوين جيد، متاح وعادل”.
الاختبار الحقيقي يبدأ من الطفل
فبالنسبة إلى المستثمر، الأكاديمية مشروع اقتصادي، وبالنسبة إلى الأسرة فهي استثمار في مستقبل طفل، لذلك تحتاج القواعد الجديدة إلى ضمان جودة المدربين، وحماية القاصرين، وربط الرياضة بالتعليم، وتوسيع فرص الولوج خارج المدن الكبرى، حتى لا يصبح «التكوين المغربي» امتيازاً لمن يملك المال.
وهنا يكمن السؤال الحاسم: هل تستطيع الجامعة أن تجعل جودة التكوين المغربي أقوى من بريق العلامة الأجنبية، أم أن تغيير اللافتات سيكون أسهل من تغيير ثقة الأسرة في مصدر الحلم؟





