اقتصادالرئسيةتكنولوجيا

المغرب الرقمي.. فجوة بين التكنولوجيا والإنتاج

المغرب الرقمي 2030 تحت مجهر البنك الدولي

يمكن للمغرب أن يعلن دخوله عصر الذكاء الاصطناعي، وأن يطلق استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، وأن يراكم المنصات والتطبيقات والخدمات الإلكترونية، لكن كل هذا يفقد بريقه عندما تصل التكنولوجيا إلى المقاولة ولا تصل إلى قلب الإنتاج، فالمعضلة لم تعد في امتلاك الأدوات، بل في القدرة على تحويلها إلى إنتاجية أعلى، وأجور أفضل، ووظائف أكثر استقرارا.

وهنا يأتي تقرير البنك الدولي ليضع الخطاب الرسمي أمام مرآة أقل بريقاً.. فقد أظهر، استناداً إلى مسح شمل 1256 مقاولة مغربية رسمية تضم خمس عمال أو أكثر في قطاعي الصناعة والخدمات، أن المغرب يعيش «رقمنة غير مكتملة»: التكنولوجيا حاضرة، لكن استخدامها المكثف والمندمج في النشاط الاقتصادي لا يزال محدوداً.

التكنولوجيا موجودة.. لكن الإنتاج لا يتغير

تكشف الأرقام حجم المفارقة فأقل من مقاولة واحدة من كل خمس تستخدم التكنولوجيا الرقمية المتقدمة بكثافة في عملياتها، ما يعني أن جزءاً من الاستثمار الرقمي ينتهي إلى مجرد أدوات حديثة داخل مقاولات تواصل الاشتغال بعقلية قديمة، والأخطر أن الفارق بين الامتلاك والاستخدام ليس تفصيلاً تقنياً..

فالمقاولات التي توظف التكنولوجيا بكثافة تحقق مكاسب في الإنتاجية تصل إلى 70%، وتنمو عمالتها بنحو 10% أسرع، بينما ترتبط الرقمنة المكثفة بأجور أعلى بحوالي 27%، ولو نجح المغرب في تقليص فجوة الرقمنة مع الدول النظيرة، فإن الإنتاجية الإجمالية قد ترتفع بين 10 و15%.

بمعنى آخر، لا يخسر المغرب معركة التكنولوجيا فقط، بل يخسر معها جزءاً من النمو الممكن، ومن الوظائف الممكنة، ومن الأجور التي كان يمكن أن ترتفع.

حين تتحول الاستراتيجية إلى سؤال سياسي

هنا تبدأ مسؤولية الدولة، فـ«المغرب الرقمي 2030» يَعِد برقمنة الإدارة، ومواكبة المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتطوير المهارات والشركات الناشئة.. لكن المفارقة أن البنك الدولي نفسه أقر، في يونيو 2026، برنامج تمويل بقيمة 250 مليون دولار لدعم التحول الرقمي، بما يشمل رقمنة المقاولات وتطوير المهارات والذكاء الاصطناعي.

السؤال المحرج إذن ليس لماذا يحتاج المغرب إلى تمويل جديد، بل ماذا حققت الاستراتيجيات السابقة داخل المصنع والمكتب والمقاولة؟ لأن نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد المنصات التي أطلقتها الدولة، وإنما بما إذا كانت قد غيرت طريقة الإنتاج ورفعت القدرة على المنافسة.

البطالة.. الفاتورة التي لا تظهر في المنصات

وهنا تتجاوز الفجوة الرقمية حدود المقاولة لتظهر كلفة أخرى أكثر قسوة: كلفة سوق الشغل، ففي 2025 خلق المغرب 193 ألف منصب شغل، لكن عدد العاطلين بلغ 1.621 مليوناً، فيما وصلت البطالة إلى 37.2% لدى الشباب و20.5% لدى النساء، وارتفع الشغل الناقص إلى 10.9%.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف ندخل التكنولوجيا إلى المقاولات، بل كيف نجعلها تخلق قيمة وفرصاً ذات جودة، فالتكنولوجيا التي ترفع الإنتاجية والأجور يمكن أن تكون رافعة اجتماعية، أما التكنولوجيا التي تبقى مجرد واجهة، فلن تفعل أكثر من تجميل اقتصاد يعاني اختلالات قديمة.

الاختبار الحقيقي لـ«2030»

بلغ النمو المغربي 4.9% في 2025، وهو الأقوى منذ نحو عقد، لكن البنك الدولي يحذر من أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مصادر جديدة للإنتاجية.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل ستقيس الحكومة نجاح «المغرب الرقمي 2030» بعدد التطبيقات والمنصات، أم بعدد المقاولات التي أصبحت أكثر إنتاجية، والعمال الذين حصلوا على أجور أفضل، والوظائف ذات القيمة التي أُحدثت؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يتأخر المغرب في الرقمنة، بل أن ينجح في “رقمنة شكله دون أن يرقمن اقتصاده”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى