
توافق الخصوم: ديمقراطية أم هندسة مصالح؟
اكتملت خريطة المسؤوليات بمجلس النواب، وبدا المشهد أقرب إلى جلسة تقاسم منه إلى مباراة سياسية، أحزاب تتنافس أمام الناخبين بخطابات متناقضة، ثم تلتقي بسلاسة لافتة عند طاولة المناصب، كأن الخلاف البرنامجي ديكور يُرفع في الحملات ويُطوى عند توزيع الغنائم، ولا ضير في التوافق من حيث المبدأ، لكن الإشكال حين يتحول من وسيلة لتسهيل عمل المؤسسة إلى غاية في ذاته، تُختزل فيها التعددية في حصص حزبية.
مكتب المجلس: وجوه متنوعة ووظائف متشابهة
آلت النيابة الأولى إلى مصطفى بايتاس عن التجمع الوطني للأحرار، والثانية إلى خالد الشناق عن الاستقلال، والثالثة إلى عبد الله بووانو عن العدالة والتنمية، والرابعة إلى محمد أوزين الأمين العام للحركة الشعبية، والخامسة إلى محمد ملال عن الاتحاد الاشتراكي، فيما تولى محمد جودار ومريم أوحسان وعادل البيطار النيابات السادسة والسابعة والثامنة، وأسندت المحاسبة إلى أمينة ماء العينين وهدى المغاري، والأمانة إلى فاطمة الزهراء البصراوي ومبارك حمية وعزيزة بداد.
قد يُحتفى بهذا التنوع دليلاً على صحة ديمقراطية، غير أن تعدد الألوان لا يصنع توازناً، فالمعارضة التي تقتسم مقاعد القيادة مع خصومها يصعب أن تطالبهم بالمحاسبة من المنصة نفسها، ومع ذلك، فالمشاركة التنظيمية لا تعني بالضرورة تخلياً عن الاستقلالية؛ والفيصل هو احترام حقوق الفرق وشفافية القرارات، لا شكل التشكيلة.
اللجان: حيث تُصنع القرارات لا الصور
اللجان هي المطبخ الحقيقي للتشريع، فقد تولى محمد الغراس لجنة الخارجية عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، ومنصف الطوب الداخلية عن الفريق الاستقلالي، ومحمد غياث العدل والتشريع عن التجمع الوطني للأحرار، وظفر الأصالة والمعاصرة بلجنة المالية عبر المهاجري، وآلت القطاعات الاجتماعية إلى مصطفى الإبراهيمي عن العدالة والتنمية، والإنتاجية إلى محمد الأعرج عن الحركة الشعبية، والبنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة إلى عبد الحق أمغار عن الاتحاد الاشتراكي، والتعليم إلى حسن الدرهم عن التقدم والاشتراكية.
هنا تُناقش مشاريع القوانين والميزانيات وتُفحص السياسات العمومية، فمن يرأس اللجنة يتحكم في جدول أعمالها ووتيرة اشتغالها وحدة أسئلتها، أي في مقدار الإزعاج الذي ستسببه للحكومة.
الرقابة المالية: الاختبار الأصعب
تتصدر المشهد لجنة مراقبة المالية العامة، أداة المساءلة الأولى عن الإنفاق العمومي، التي آلت إلى حنان الماسي عن الأصالة والمعاصرة، لتكتمل اللجان التسع، وفي الأعراف الديمقراطية تُعد مثل هذه اللجان معقلاً للمعارضة، فيما توزَّع هنا ضمن منطق الحصص، وإذا كانت رئاسات أخرى بيد أحزاب مشاركة في الحكومة، فالسؤال مشروع: من سيراقب الحكومة حين تتوزع الرقابة بين أطراف تتقاسم معها الحسابات السياسية؟ على أن الانتماء وحده لا يحسم الجواب، وإنما تحسمه أعمال اللجان وجدية فحصها للمال العام.
المواطن خارج حسابات الكراسي
حين تنتهي مفاوضات اقتسام المسؤوليات، تبدأ مسؤولية إثبات أن البرلمان ليس مجرد خريطة للمواقع الحزبية، فالمواطن لا يعنيه من جلس على أي كرسي، بل من سيحاسب الحكومة حين تخطئ، ومن سيدافع عن المال العام حين تتضارب المصالح.. أما الأحزاب، فلا تُحاسب على ما اقتسمته، بل على ما ستفعله بما اقتسمته.





