حرية الإضراب وحرية العقيدة عند الإسلاميين

0

 

الكاتب والباحث سعيد لكحل

يوما بعد يوم يؤكد الإسلاميون ، أكانوا في السلطة أم خارجها ، أنهم على مذهب واحد وهدف واحد ؛ أما الاختلاف فعارض ويمس التكتيك وليس الإستراتيجية .

تظل إستراتيجية إقامة نظام شمولي توحد فصائلهم . قد يختلفون حول المشاركة في المؤسسات الدستورية وإدارة الشأن العام ، لكن يظل اختلافا جزئيا لا يؤثر على الغاية التي وجدوا من أجلها . فجميعهم لا يؤمنون بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وإنما يتظاهرون بقبولها ويتشبثون بآلياتها متى رأوها تخدم مصالحهم وتحقق بعض أهدافهم .

كفّروها لعقود ثم عادوا بتكتيك التعامل بآلياتها التي تيسّر لهم التغلغل في مفاصل الدولة وهياكلها الإدارية ، ومن ثم تمرير ما استطاعوا من قوانين الأسلمة/الأخونة لتطويق الدولة وتجريد القوى الاجتماعية والسياسية تدريجيا من أدوات الفعل والنضال . وقد أثرت خطة الأخونة هذه على مسار التنمية وبناء أسس دولة الحق والقانون ، بحيث أفلح الإسلاميون في الالتفاف على مطالب ونضالات القوى المدنية من أجل الحريات الفردية ، المناصفة ، المساواة ، القضاء على العنف والتمييز ضد النساء الخ ، وجاءوا بمؤسسات منخورة وقوانين معطوبة .

إن تجربة الإسلاميين في الحكومة أبانت عن كونهم يتعاملون مع الدستور كما يتعاملون مع الدين . ويمكن إعطاء مثالين للتذكير لا الحصر :

1 ــ حرية العقيدة /الاعتقاد:

يُجمع الإسلاميون في جدالاتهم البيزنطية أن الإسلام يضمن حرية الاعتقاد ويحاججون خصومهم بالآية الكريمة” لا إكراه في الدين” للبرهنة على أن للمرء حرية اختيار عقيدته . هذا هو الخداع بعينه الذي سرعان ما ينكشف حين مناقشتهم “حد الردة” الذي يتشبثون به وكأنه ركن من أركان الإسلام لا يصح إلا به . إنهم يلتفون على حقوق الإنسان ، وفي مقدمتها حرية الاعتقاد ، ليجهزوا عليها باسم الدين نفسه . ألم يكوموا هم من ضغط لحذف عبارة حرية الاعتقاد من مسودة دستور 2011 ؟ لهذا فقولهم الإسلام يضمن حرية الاعتقاد ليس سوى الحق الذي يراد به الباطل : الإسلام يضمن حرية العقيدة لكن لا يسمح بالخروج منها . أنت حر في اعتناق الإسلام لكنك مُجبر على البقاء عليه . لا حرية إذن، في الاعتقاد إذا لم تكن حرية غير مشروطة . فالمتصفح لأدبيات الإسلاميين والمتابع لجدالاتهم سيجدهم جميعا يتغنون بحرية الاعتقاد في الإسلام وأنه ضَمِنَها منذ 15 قرنا قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان . لكن ما إن تجادلهم في الحق من الخروج من الإسلام إلى دين آخر حتى تنكشف دمويتهم عبر تشبثهم بتطبيق حد الردة على من بدّل دينه .

2 ــ دستورية الإضراب:

إذا كانت كل دساتير الدول الديمقراطية تضمن للأجراء والموظفين الحق في الإضراب ، فإن الدستور المغربي لا يخرج عن هذه القاعدة . لكن عقيدة الإسلاميين وسعيهم إلى إقامة نظام حكم شمولي لا يُقر للشعب بحق الرفض أو الاحتجاج ، جعلاهم يناهضون هذا الحق كل من موقعه . وتكفي هنا الإشارة إلى موقف جماعة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية من هذا الحق .

أ ـ بخصوص موقف جماعة العدل والإحسان :

يحدده مؤسسها وزعيمها الروحي الشيخ ياسين من خلال تحديده لمهام النقابة العمالية كالتالي ( يجب أن تقوم النقابة تحت ظل دولة القرآن بغير المهام التي تقوم بها نقابات الشيوعيين من كونها أداة من أدوات الدولة . ويجب أن تسلك أسلوبا غير أسلوب الإضراب والعنف الذي تسلكه نقابات الرأسمالية . يجب أن يستبدل بالإضراب تنسيق ثلاثي بين ممثلي النقابات والدولة وأصحاب الشغل . ويجب أن تكون النقابة أسمى من وكالة همها الوحيد بيع قوة العضلات بأغلى الأثمان ، وأرفع من أن تسمح بالفوضى وتشيع الحقد )(ص 185 في الاقتصاد ) .

يتضح إذن أن اللجوء إلى ممارسة الحق في الإضراب ممنوع . والإضراب ، في مفهوم شيخ الجماعة هو ” فوضى” و إشاعة للحقد ، لذا وجب حظره . طبعا إستراتيجية الجماعة هي إقامة دولة القرآن ، أي دولة الخلافة التي لا يمكن أن تقبل بوجود معارضة للحاكم من أي نوع كان .

ب ــ موقف حزب العدالة والتنمية :

إن الموقف الحقيقي للحزب من الحق في الإضراب يعبر عنه مشروع القانون التنظيمي 97.15 لهذا الحق الدستوري وليس أدبياته وممارسة نقابته زمن المعارضة . فالحزب معروف بازدواجية المواقف حسب ما تمليه مصلحته وعقيدته . فعلى امتداد فترة الاستقلال وتعاقب الحكومات ، لم تجرؤ حكومة ، حتى تلك التي هندسها وشكّلها المخزن ، على إخراج قانون تنظيمي يعطّل الدستور ويخرق الاتفاقات والالتزامات الدولية التي وقّع عليها المغرب . فكما التف حزب العدالة والتنمية على حرية الاعتقاد وصادرها باسم الدين ، التف كذلك على حق الإضراب وصادره ، بل جرّمه باسم الدستور والقانون .

فالبيجيدي لم يكتف بمنع ممارسة حق الإضراب بل جرّمه ومنح الجهة المُشغِّلة الحق في المطالبة بالتعويض عن الخسائر المترتبة عن الإضراب كما تنص المادة 26 من مشروع القانون لتنظيمي:”يمكن للمشغل  في حالة ممارسة الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي  أن يطالب الجهة الداعية للإضراب والأجراء المضربين بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمقاولة من جراء الإضراب التي تمت ممارسته بها بكيفية غير مشروعة”

فكل صاحب مقاولة غير مواطِنة سيلجأ إلى هذه المادة ليزج بالعمال في السجن أو يرضوا بالعبودية له . من مصائب مشروع القانون التنظيمي للإضراب أنه ينص على تعدد العقوبات ضد الموظفين والأجراء قصد ترهيبهم حتى لا يلجأوا إلى ممارسة حقهم الدستوري دفاعا عن حقوقهم .

هكذا تنص المادة35 على تعدد العقوبات كتالي ( علاوة على العقوبات المنصوص عليها في هذا الباب ، يعتبر في حالة تغيب عن العمل بصفة غير مشروعة ، كل أجير مارس الإضراب في القطاع العام أو القطاع الخاص ، دون التقيد بالإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي ، وتطبق في حقه ، عند الاقتضاء ، العقوبات التأديبية المنصوص عليها في النصوص التشريعية والأنظمة الخاصة بالأجراء الجاري بها العمل ) . الأجراء المضربون سيكونون أمام : السجن والغرامة ، تعويض المقاول عن خسائر توقف العمل ، الطرد من العمل .هذه واحدة من المصائب التي جاءت بها حكومة حزب العدالة والتنمية وستتلوها مصائب أخرى .

اترك رد