أسرار غرفة محكيات عن تراجيديا نساء الهامش

0

صدر للحقوقية والمناضلة النسائية بشرى عبده رواية في 96 صفحة من الحجم المتوسط ، عنونتها  بأسرار غرفة محكيات  بلوحة غلاف عبارة عن باب قديم موصد بشكل محكم يعبر عن واقع حاولت محكيات بشرى عبده أن تخترقه ، تسائله وتحاكمه واقع الأنا الجماعية للنساء المغربيات مجسدة في بطلة المحكياتبشرىومعبرة عن كل الضحايا / شخوص الرواية اللواتي لسن سوى نساء سبق وتعرضن لعنف مجتمعي صادفتهن بشرى عبده في مسارها النضالي، محكيات سيرة تمزج بين الذاتي والذهني تبدأ بالولادة ولادة المعاناة ولاتنتهي بالموت حيث تواصل البطلة سرد حكايتها وهي داخل القبر دون أن تنسى أن تدعو القارئ بدوره إلى سرد حكايته مؤسسة لتقليد جديد يضم محكيات لامتناهية وقصص ومعاناة بعدد القراء

النسق الحكائي  :

 اختارت بشرى عبده أن تروي محكياتها بواسطة طفلة صغيرة تولد من زواج عرفيبالفاتحةوتمضي في طريق مجهول رفقة والدتهاالماما، هو نفس الطريق الذي تسلكه النساء المضطهدات في بلد يهيمن عليه الفكر الذكوري تكبر الجراح والآلام دون أن تكبر الطفلة بوعيها الجنيني الخالي من حسابات الكبار المصلحية والمادية ترصد تفاصيل المحنة / محنة أن تكون امرأة أو طفلا أو إنسانا فقيرا أو أي شيء هشّ لاقانون يحميه ولا مؤسسات تأخذ بيده حكيا مرٌاً تشعر بألم بعد قراءته” : راكي غير خذامة ، فيقي ليحساب ليك مرا “/”حسبت أمي أنني مريضة أوأصابني المس قامت بعجعجة المكان بالبخور لطرد الجنّ ..وهي لم تعرف أن الشيطان الأكبر ولدته من أحشائهاوها أنا معكنّ أكره حياتي وأكره جسدي وأكره صورتي في المرآة.”

ولعل اختيار طفلة لتقوم بدور الحاكي لم يكن اعتباطيا بل ذكاء من الكاتبة لخلق الهوة المفترضة بين العنف ومرتكبهقانونا كان مؤسسات أوأشخاصولرصد هذه الهوة الشاسعة لابد من عين تلتقط هذا النشاز في السلوك بحياد تام ، من غير عين الطفل قادرة أن تلعب هذا الدور بالتجرد من إحساس المصلحة والواقعية من الحياة باعتبارهالعبة قذرةبين الكبارعين محايدة لكنها نبيهة ومدركة لمحيطها متجردة من الحسابات الواهية وطامحة في قانون أكثر رأفة بالفئات الهشة وبشر أقرب إلى البشر عين تشبه إلى حد كبير عين المساعدة الاجتماعية والمناضلة النسائية التي حولتها خبرتها في الإنصات إلى ضحايا العنف والإقصاء إلى ماكنة لصناعة الأسئلة الحائرة والمحيرة

العقدة ، الشخصيات وتسلسل الأحداث :

إذا كان الزواج هو الحلّ السحري للنساء في وضعية الهشاشة، فللكاتبة رأي آخر خصوصا حين تنتفي منه الشروط التي تضمن للمرأة حقها، قد يصير هذا الزواج نقمة كما هو الحال لزواج الماما، حيث ستحمل وحدها وزر خطأ تسبب فيه توافق مجتمع إنه زواج الفاتحة الذي تسبب في مآسي كثيرة وخلق نساء عازبات وتركهن وحدهن في مواجهة رفض المجتمع ونظرات احتقار الناس ، سيصير الزواج في حد ذاته عقدة تتولد منها عقد متعددة لكل عقدة حكاية جديدة وآلام جديدة. وداخل كل حكاية شخصية جديدة ويصير الفضاء مجرد ذريعة للسرد، فالمدرسة ذريعة لسرد حكايات / معاناة التلاميذ الفقراء وغرفة في السطح ذريعة لسرد قصص نساء فرقتهن سبل العيش ووحدهن الرغبة في المقاومة من أجل لقمة عيش أووثيقة أو رد اعتبار ، مواجهة للقانون والعقليات وظلم ذوي القربى كماعمدت إلى خلق شخوص متناقضة حتى لاتسقط الكاتبة في التقريرية النمطية وأن من يقف وراء تعطيل تحرر المرأة ومساواتها مع الرجل ونيل حقوقها ليس الرجل ، بل طاحونة المجتمع من قوانين وموروث وعقليات، مثل شخصية

المرأة المبحوحةفي مواجهةالمرأة ذات الوشم الجميلمقابلة بين الخير والشر بين الحب والكراهية / التسامح والعنف، المرأة المبحوحة صورة آدمية لتخلف مجتمعي وذات الوشم الجميل نموذج المرأة التي بفطرتها واجهت الظلم ولم تمارسه.

غرفة أسرار والواقع بعيون أنثى :

وأنت تقرأ محكيات بشرى عبده، تشعر بقساوة أن تكون امرأة أو كائنا هشا في مجتمع شعاره البقاء للأقوى، في الغابة التي نعيش داخلها وتعيش داخلنا، ولأن بشرى عبده تعيش في داخل الخط الأمامي للمواجهة، فقد استطاعت أن ترصد لنا معاناة ماعاينته كمناضلة نسائية من حيف غير مبرر لشخصياتها بدقة الراصد الحقوقي وتساؤل الطفل فكانت الصفعة مضاعفة، كيف استطعنا أن نعيش مطمئنين وبيننا من لا يجد مايسد به رمقه إذا لم يدفع الحساب من لحمه وكرامته، كيف استطعنا أن نعيش وسط هذا الكم من الموتى / الأحياء؟

محكيات بشرى عبده بالإضافة لطابعها الحكائي الأدبي، فيه مسائلة لواقع المرأة المغربية وواقع الطفل يمكن أن يساهم إلى حد كبير في تحسيس فئات واسعة بهذا الواقع وتقديم مادة خام لكل من أراد أن يشتغل على قضايا تلامس الواقع المغربي من مختلف الفنون في انتظار أن يبادر فاعلون آخرون في مجالات أخرى لإغناء خزانة الأدب المغربي بما يمكن أن نطلق عليهأدب الواقعأليست أصدق الكتابات مانكتبه بدمنا؟

 

اترك رد