تقرير أنطونيو غوتيرس حول حقوق الإنسان في الصحراء وعزلة مجلس بوعياش

0

عزيز إدامين فاعل حقوقي ومدني

قدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس، تقريره حول الصحراء بمناسبة الدورة 74 للجمعية العامة، وهو تقرير ملخص لآخر تقريرين، سبق أن قدمهما لمجلس الأمن الدولي، ناهيك عن بعض المستجدات والتطورات اللاحقة.

لن نقف عند كل الفقرات الـ 28 الواردة بالتقرير، وإنما فقط الفقرة 25 منه والتي تطرقت إلى تقلي المفوضية السامية لحقوق الإنسان لتقارير من المنطقة تتعلق بانتهاكات ومضايقات وغيرها، وأعاز التقرير إلى وجود “ثغرات في الإبلاغ عن حالة حقوق الإنسان بالصحراء الغربية قائمة بسبب عدم إمكانية وصول المفوضية السامية إلى الإقليم” رغم أن “مجلس الامن شجع في قراره رقم 2440 لسنة 2018، على تعزيز التعاون مع المفوضية، بما في ذلك من خلال تيسير إجراء زيارات إلى المنطقة”.

وهنا نطرح السؤال: كيف تسربت هذه الفقرة إلى تقرير الأمين العام؟ ومن هم المسؤولين عنها؟

سنعالج هذه الفقرة من داخل منظومة الأمم المتحدة لحقوق الانسان في شقين: الأول يتعلق “بتيسير إجراء الزيارات إلى المنطقة” والشق الثاني “بوجود ثغرات في الإبلاغ عن حالة حقوق الانسان”.

أولا: إجراءات الزيارات

تتغل منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة برزمة من الآليات، ومنها نظام الزيارات القُطرية للبلدان، وإذا كان للمفوضية السامية لحقوق الإنسان الصلاحية في القيام بهذه الزيارة من خلال إجراءات استثنائية، والتي لم تشمل المغرب لحسن الحظ، فإن هناك آليات أخرى تقوم بذلك، والمغرب انخرط منذ سنوات فيها.

  • الهيئات التعاهدية:

تتواجد داخل منظومة الأمم المتحدة عشرة لجان أممية منبثقة عن تسع اتفاقية وبروتكول اختياري، وتوجد من بينها من لها اختصاصا الزيارات القطرية.

اللجنة الفرعية المعنية بمناهضة التعذيب والمنبثقة عن البروتكول الاختياري لمناهضة التعذيب، سبق وأنا زارت المغرب في الفترة الممتدة من 22 إلى 28 أكتوبر 2017، وقد قدمت تقريرها الرسمي بتاريخ 12 فبراير 2019، إلا أن المغرب طلب من اللجنة الفرعية أن لا تنشر تقريرها ويبقى “سريا”، لهذا وإلى الآن لا يعلم أحد بمضمونه، وهذا الإجراء مسموح به للدول ولكن لا تعمل به إلا الدول التي منسوب احترام حقوق الانسان فيها متدن جدا، من قبيل أديربيجان وكولمبيا وغواتيمالا … في حين نجد بعض الدول القريبة من المغرب مثل تونس تقريرها منشور تحت رقم CAT/OP/TUN/2 في فاتح ماي 207 وتقرير موريتانيا منشور تحت رقم CAT/OP/MRT/2 بتاريخ 12 فبراير 2018.

أما المغرب فنجد أمام تقريره ملاحظة: Confidential.

توجد لجن أخرى يُسمح لها القانون الدولي بإجراء زيارات وتحقيقات للدول، كاللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 11 من البروتوكول الاختياري)، ولجنة مناهضة التعذيب (المادة 20) واللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (المادة 8 من البروتوكول الاختياري) ولجنة حقوق الطفل (المادة 13 من البروتوكول الاختياري الثالث)، واللجنة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (المادة 6 من البروتوكول الاختياري) واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري (المادة 33)، هذه اللجن توجد موانع موضوعية وأخرى مسطرية تحول دون زيارتها للمغرب، لا يسمح حيز المقال لها جميعا، سنقوم بالتفصيل فيها في مقالات لاحقة.

  • الإجراءات الخاصة

زار المغرب عددا من نظام الإجراءات الخاصة، وإن كانت عملية تقييم مدى تنفيذ المغرب لتوصيات هذه الإجراءات عمل كبير ويتطلب مجهودات عديدة، وأساسها الحصول على المعلومة الحقوقية بشكل متيسر وسريع، إلا أننا سنذكر بعدد مها التي لازالت ينتظر السماح له بزيارة البلد أو استكمال الإجراءات مع السلطات المغربية، ونذكر منها:

هذه عينة من عدد من الإجراءات الخاصة التي لم تتمكن من زيارة المغرب، إما بسبب رفض المغرب أو طول التفاوض حول الزيارة، وهي إجراءات تابعة لمجلس حقوق الإنسان، الذي تشكل المفوضية السامية لحقوق الإنسان جهازه الإداري والفني والتقني…

إن مدخل الدفاع عن الصحراء المغربية وعن الحريات ببلادنا سينطلق ابتداء من اعتماد نظام الإجراءات المفتوح أمام الإجراءات الخاصة عوض المغلق المعمول به حاليا

ثانيا: الإبلاغ على حالة حقوق الإنسان 

من الإشارة الخطيرة التي وردت في تقرير وجود ثغرات في نظام الإبلاغات عن انتهاكات حقوق الانسان.وللتوضيح للقارئ، أن المقصود من هذه الملاحظة أن الإجراءات الوطنية المتعلقة بتلقي الشكايات هو نظام غير فعال وضعيف

وللتوضيح أكثر، فإن القانون الدولي يعتمد على قاعدة أساسية تتعلق بضرورة وجود آليات انتصاف وطني وإلا تم اللجوء إلى آليات دولية، وفي حالة المغرب فإن المجلس الوطني لحقوق الانسان يقدم كآلية انتصاف محلية ناجعة، وقد كان لهذا الطرح صدى لدى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن فيما قبل، وهو ما جعل مطلب توسيع صلاحياتالمينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان لا تحظى بقبول من طرف المنتظم الدولي، أما الآن وبعد أن عبر الأمين العام أن هذه الآلية غير ناجعة وبها ثغرات، تدفعنا للتساؤول عن مسبباتها.

  • عزلة مجلس بوعياش

منذ تعيين المجلس الوطني لحقوق الإنسان تعرض لانتقاذات عديدة من قبل الحركة الحقوقية المغربية، إذ باستثناء أسماء قليلة محترمة ولها رأسمال في المجال الحقوقي، فإن الغالبية غريبة عنه، بل منهم من تحوم حوله شبهات الفساد المالي.

بل إن الملاحظة هو كون الحزبية الضيقة والصرفة في اعتماد التركيبة الإدارية والسياسية للمجلس حاليا، جعله معزولا عن الحركة الحقوقية المغربية، وما أكبر دليل على ذلك هو الجمعيات المشاركة في ما سماه بـ”المشاورات” حول عهد حقوق الطفل في الإسلام.

وهذه العزلة غير مرتبطة على المستوى الوطني فحسب، بل نجد صداها أيضا على مستوى الأقاليم الجهوية، والتي عرفت “ذبحة” بروتوكولية في إشراف موظف إداري على نقل الاختصاصات بين عضويين سياسيين معيين بظهير ملكي، وأين؟ في مدينة حساسة كمدينة العيون. ويكفي أيضا تتبع الصفحات على الفيسبوك الرسمية لهذه للجن، لقياس نوعية وحجم وطبيعة أنشطتها.

وقد ازدادت عزلة المجلس عن المجتمع المغربي ككل، بعد خذلان عائلات معتقلي الريف الذي كان لهم أمل في اللقاءات التي عقدها المجلس معهم حول الحرية لأبنائهم، إذ اصطدموا بمقال رئيسة المجلس ينزع عن المعتقلين صفة الاعتقال السياسي والاعتقال من أجل الرأي، حيث لم تجد السيدة الرئيسة من سند في محاججتها أي مرجع داخل منظومة حقوق الانسان الواسعة جدا، سوى مقال لإحدى الجمعيات بدولة بيلاروسيا.

يضاف إلى ذلك رد فعل الجمعيات الحقوقية والمدنية العاملة في مجال الأشخاص في وضعية إعاقة التي “صعقت” من تركيبة الآلية الحمائية المعنية بهم.

كما تبين للمتتبع الدولي والوطنيأن الدور الحمائي المنوط بالمجلس ليس سوى حبر على ورق فملاحظته للمحاكمات لا نفع فيها ولا يملك الشجاعة للدفاع عن تقارير التعذيب التي تعرض لها مغاربة

وفي الختام، تماهي خطاب المجلس الوطني لحقوق الانسان، مع خطاب الإدارة العامة للأمن الوطني، بل أصبح المتتبع لا يستطيع التمييز بينهما، بل تفوقت الثانية في استعمال البهارات الحقوقية فوق بلاغات اعتقالاتها

كل هذه السندات تطرح سؤالا: هل فعلا توجد ثغرات في نظام التشكي حول حالة حقوق الإنسان في المغرب، كما جاء على لسان أنطونيو غوتريس؟

  • غياب مرجع حقوقي مستقل

لم يستطع المجلس الوطني لحقوق الانسان في صيغته السابقة أن يصدر تقريرا سنويا يرصد من خلال حالة حقوق الإنسان بالبلاد، ولهذا النقص تأثير كبير جدا على قياس مدى التقدم أو التراجع الحقوقي.

إن الوثيقة الحقوقية تعتبر العمود الفقري في المنظومة الحقوقية سواء الدولية أو الإقليمية أو الوطنية، وغياب هذه يفتح الباب لكل التأويلات والتقديرات المتعددة، واليوم باتت الحاجة ملحة قبل أي وقت لتقرير يصدر عن مؤسسة تعتبر “مستقلة” تقدم رأيها سواء إيجابا كان أو سلبا عن الحق في ممارسة الحقوق والحريات، وإلا صعد من جديد خطاب الدعوة لتوسيع صلاحيات المينورسو لمراقبة حقوق الانسان أو وضع ألية أخرى مستقلة خاصة بذلك.

إن الفكرة السابقة التي التقطت من خلال تصريحات المسؤولين السابقين للمجلس، بإصدار تقرير تركيبي يضم وضعية حقوق الإنسان ببلادنا وفق 12جزء، كل جزء مخصص لكل جهة حسب اللجن الجهوية، وبالتالي تقديم للرأي العام الوطني تقرير كامل عن المغرب من شماله لجنوبه، وفي نفس الوقت تقديم للهيئات الدولية الجزئيين المخصصين لكل من الداخلة والعيون، فكرة لم تعد مجدية وغير مغرية، وجب التفكير في بدائل أخرى جديدة.

على سبيل الختم

إن تقوية البيت الداخلي للمغرب أولى مقدمات الدفاع عن قضاياه الاستراتيجية، والتي لا مناص من دمقرطة الدولة والانتقال من الهوامش الحقوقية إلى دولة الحقوق والحريات.

 

اترك رد