رأي/ كرونيك

آخر الكاتب

لكلِ كاتبٍ شخصيَّات معقدة ومركبة تعكس أغلب الظَّن هواجِسهُ ولحظات قلقِهِ.

كل الجُمل لا تستقيم وغيمة هذا المساء، وبدون قلق لا يمكن للكاتب أن يكتب ما يريد أو ما يطمح إليه: فهل ثمة طموحٌ للكاتب؟

طموح الكاتب! يا لها من فضيحة! شُهبٌ بعيدة محمَّلة برذاذ البحر وقد ترك زبده على رمل الصحراء ورحل بعيداً.

بالقدر الذي يشيِّدُ الكاتب شخصيَّاتِه المُتخيَّلة والواقعيَّة فوق الرمل وتحت مياه البحر، فهو يُخرِجُها من عالمِها الفعلي إلى عالمِهِ المُتخيل، يُضفي عليها ما يشاء من الصفات وينزع منها ما يشاء. وفي طريقه لخلقها يعبث ببعض المُعطيات الحقيقيَّة أملاً في القول بأوجه عِدة للحقيقة، ولكن يتناسى بين كل هذا وذاك؛ وفي تخيُّلاتِه؛ أن آخره هو من يتحدث بدلاً منه وكما يقول كارلوس ليسكانو في “الكاتب والآخر”، ثمة دوماً لدى الكاتب شخصيَّة مُبتكرَة وأخرى خادِمة.

يصعب أن يميز الكاتب بين أناهُ الفعليَّة / الخادِمة والخدومة وبين أناهُ المُبتكَرة / المُتخيلَّة، وعادة ما يسقط ضحيَّة ابتكاراته، ففي شخصيَّاته جميعها يجدُ بعض ميزاتِه، يتخذُ من كل واحدةٍ جزءً هاماً أو بعضاً من سيئِّاتِ الحظ وسرعان ما تستحوذ عليه شُخوصه وتُلزِمه أن يتصرف على النحو الذي يتخيله القراء.

قد لا يتردد البعض من مهوسي الكُتَّاب – الذين يستمتعون ويفتخرون بتتبع الكُتَّاب وتعقبهم – في نعت الكاتب بأوصاف ترفعه إلى اغتراب قلَّ نظِيره وما عليه إلا أن يستسلم لسُلطة القراء – المُلاحقين.

لا تقِلُ مُلاحقة القارئ المعجب عن ملاحقة المُخبر بحيث يسعى كل منهما إلى ضبط وتدقيق حياة الكاتِب ولا يتورعون في نسج تخيُّلات وأحياناً تنبؤات تكون حطب الشائِعات أغلب الأحيان. فكيف للكاتِب أن يتخلص من سُلطة المُلاحِق وقد ابتكر الصورة التي ينبغي أن يكون عليها؟ عليه أن يغادر الأمكنة المزدحمة بالمخبرين: أي نعم، ليس المُخبر بمعناه السُّلطوي والأمني، بل كل من يتلصص على حياة الكاتِب الخاصة والعامة في الآن ذاته، وأول المخبرين: مخه. أي نعم المخبر القابع في مخيلته وذهنه، فهو أكبر امتحان يواجه الكاتب وهو من صنعه بنفسه. تخلص يا هذا من هلوساتك المضجرة لا تجعله يرافقك دوماً كظِلِك، بل اتركه متى أتيحت لك الفرصة في مكانٍ ما، وفي ساعةٍ ما.

المُلاحقة سلطة وهواية ومهنة: سلطة لا تعرف المهادنة، وهواية من لا هواة له، ومهنة حقيرة جداً.

التخلُّص من القلق أمر مربك، حيرة ملازمة لكل كاتب.

القلق هو نفسه كاتِب وبدونه لن تستطيع أن تكتب ولو حرفاً واحداً. لذا لا تأبه للقلق فسرعان ما يتحول إلى فضول معرفي. فضول معرفي فوق صخرة ندية في شاطئ الضباب.

لكل كاتِبٍ قلقُه وطريقة تصريفه والتخلص منه، وما الحرف إلا وسيلة فعَّالة لتفريغ ما في الذِّهن، ولهذا يحتاج دوماً إلى ورقة وقلم ليدون خربشاته التي سرعان ما تتحول إلى نصوص خالِدة.

اقتفي أثر كبار الكُتاب ستجد أن أغلب تراهاتهم هي ما يرغب فيها القراء بل وترفعه إلى مقام المبدعين بدون منازع، إلا أن تلك التُراهَات هي ذاتها آخَرُ الكاتِب.

رحل هيمنغواي ذات يوم إلى باريس واكتشف عالم الكُتَّاب: عالم المجهول والمتعة اللامتناهيَّ والمهووس بكل أنواع التمرد على الذات والواقع معاً. وفي رحلته ترك أعظم النُّصوص مخفيَّة في حقيبة جلبت له شهرة فاضحة وماجِنة: شهرة قلم القرن. وسرعان ما كُشِف عن خداع مخطوط الحقيبة.

لا يكتشف الكاتب آخره إلا في وقت متأخر: ففي خربشاته الأولى يطمح إلى الشهرة وإلى جني ما يكفيه من المال للاستمتاع بما يروقه وما كبته لعقود منذ طفولته الجريحة. غير أن شهرته سُمٌّ قاتِل: تقتل فيه عفويَّته وحقيقة ابتلائِه بالحرف والكلمة، وحتماً سيصير أسير نزوات النُّقاد ومنابر الإعلام، وإلا فقد شهرتهُ. هكذا تقوده شخصيَّاتُه إلى نهايته الحتميَّة وما عليه إلا أن يتخلص منها قبل أن ترمي به في مزبلة التاريخ.

التخلص: نهاية. لهذا يضع الكاتب نهاية لشخصياته ليقلل من أضرار التبعات، ولو أن وضع نهاية لشخصية ما له تبعاته أيضاً، لذلك على الأقل يلجئ إلى التخلص منها كنوع من الترك والطرح.

آخر الكاتِب يتماهى مع أناه، ويصير متحداً أمام الجمهور، وفي غفلة منه يجعل المُبتكَر والخادِم منفصلين ويتخذ كل منهما مكانه الطبيعي: المُبتكر يستخدم الخادِم، وهذا الأخير يصنع الأول. فقط تكفي الخادِم قنينة نبيذ من نوع الخمور الرخيصة ليتحقق التوحد والتماهي بين الأنا والآخر، وبعد كؤوس متتالية من نبيذه يهرول إلى الكلام عن كل شيء ودون هدف.

كلام الكاتب كلام فارغ يهوى مداعبة الكلمات في ليل صامت وأمام شرفة تمنحه رؤية العالم كما هو، على حقيقته التي يحجبها صخب النهار وضجيج المتطفلين على هذا العالم: النفايات البشرية.

كيف للكاتب أن يتخلص من أناه؟ عليه أن يكف عن التفكير. لذلك يلجأ إلى أي مخدر يمكنه أن ينسيه ضجر ومأساة عالمه. أما آخره فهو نفسه الكاتب، يجسده في القلم أحيانا وفي المسودة أحيانا أخرى، وقلما يلجأ إلى احدى شخصياته ليرتوي منها شغفه وشغب طفولته. فلا أحد من الكتاب يمكنه أن يتخلص من تاريخه ومن أناه بالقدر الذي لا يمكنه أن يتخلص من سلطة ملاحقيه.

شارك المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى